لم يعد اختيار المغاربة لوجهاتهم السياحية خلال العطلة الصيفية مرتبطا فقط بجمال المدن والشواطئ أو تكلفة الإقامة، إذ أصبحت سهولة السفر والإجراءات الإدارية، وفي مقدمتها شروط الحصول على التأشيرة، من أبرز العوامل المؤثرة في قرار السفر.
وتكشف مؤشرات الحجوزات المسجلة لدى وكالات الأسفار إلى غاية الأسبوع الأول من غشت الجاري استمرار الإقبال على الوجهات التي تتيح للمغاربة دخول أراضيها دون تأشيرة مسبقة أو توفر إجراءات مبسطة، بالتزامن مع عودة تدريجية للطلب على عدد من الوجهات الأوروبية، خصوصا جنوب إسبانيا ومنطقة الأندلس والبرتغال.
ويعكس هذا الاتجاه تحولا في سلوك المسافر المغربي، الذي بات يضع عامل سهولة الولوج إلى الوجهة ضمن حساباته الأساسية قبل حسم اختياره، إلى جانب أسعار تذاكر السفر والإقامة وتكاليف التنقل وجودة الخدمات السياحية.
وقال محمد السملالي، رئيس الفيدرالية الوطنية لوكالات الأسفار بالمغرب، إن سهولة الولوج إلى الوجهة أصبحت من بين العناصر الأساسية التي تؤثر في اختيارات المغاربة، مشيرا إلى استمرار حضور تركيا ومصر وعدد من الوجهات الآسيوية ضمن خريطة الطلب خلال الموسم الصيفي.
وأوضح أن مستويات الإقبال تختلف من وجهة إلى أخرى تبعا لعدد من العوامل، من بينها التطورات الإقليمية ومسارات الرحلات الجوية، خاصة بالنسبة للوجهات التي تعتمد على رحلات تتضمن توقفا في بلدان مثل الإمارات وقطر وتركيا، وهو ما قد يدفع بعض المسافرين إلى تعديل برامجهم أو البحث عن مسارات جوية بديلة.
وتحافظ الوجهات المعفاة من التأشيرة على جاذبيتها لدى شريحة واسعة من السياح المغاربة، كما تستفيد البلدان التي توفر إجراءات سريعة وميسرة للحصول على التأشيرة من قدرة أكبر على استقطاب المسافرين، مقارنة بالوجهات التي تتطلب مساطر أكثر تعقيدا أو آجال انتظار طويلة.
وفي ظل ارتفاع تكاليف السفر، أصبح المسافر المغربي أكثر حرصا على احتساب الميزانية الإجمالية للرحلة قبل اتخاذ القرار، بما يشمل تذكرة الطائرة، والإقامة، والتنقل الداخلي، والتأمين، إلى جانب الوقت والجهد المرتبطين بالإجراءات الإدارية.
وبذلك، لم تعد المنافسة السياحية بين الوجهات تقوم فقط على المؤهلات الطبيعية والثقافية أو الأسعار، بل أصبحت تشمل أيضاً سهولة الوصول، وسرعة الإجراءات، وتوفر الرحلات الجوية المباشرة، ومدى قدرة الوجهة على تقديم تجربة سفر متكاملة بتكلفة مناسبة.
وبالتوازي مع انتعاش حركة السفر خلال موسم الصيف، يواجه قطاع وكالات الأسفار تحديا آخر يتمثل في تنامي عروض الرحلات والبرامج السياحية عبر مواقع التواصل الاجتماعي من طرف جهات لا تتوفر بالضرورة على الصفة القانونية لممارسة النشاط.
وحذر رئيس الفيدرالية الوطنية لوكالات الأسفار من انتشار صفحات وحسابات تروج لبرامج سياحية باستعمال أسماء وصيغ تسويقية قد توحي للمستهلك بأنها تابعة لوكالات أسفار معتمدة، داعيا إلى توخي الحذر قبل دفع أي مبالغ مالية أو حجز خدمات السفر عبر منصات غير واضحة الهوية القانونية.
وأشار إلى أن هذه الظاهرة توسعت بشكل ملحوظ خلال السنوات التي أعقبت جائحة كورونا، في ظل التحول الرقمي الذي عرفه القطاع وتزايد اعتماد المستهلكين على شبكات التواصل الاجتماعي للبحث عن عروض السفر والحجوزات.
وتكمن مخاطر هذه الممارسات، وفق مهنيي القطاع، في إمكانية تعرض المسافرين لعمليات احتيال، سواء عبر أداء مبالغ مقابل حجوزات غير موجودة، أو اقتناء برامج لا تتطابق مع الخدمات المعلن عنها، أو مواجهة إلغاء الرحلات دون وجود جهة قانونية واضحة يمكن الرجوع إليها.
وفي هذا السياق، دعا السملالي الجهات الحكومية والمصالح المختصة إلى تكثيف عمليات المراقبة، بما يضمن حماية المستهلكين وتعزيز المنافسة العادلة بين المهنيين، مطالبا في الوقت ذاته بمراجعة الإطار القانوني المنظم لمهنة وكالات الأسفار بما يواكب التحولات الرقمية التي يشهدها القطاع.
وفي ما يتعلق بالانتقادات المرتبطة أحياناً بارتفاع أسعار البرامج السياحية التي تقدمها وكالات الأسفار، أوضح رئيس الفيدرالية أن تقييم العرض انطلاقا من السعر فقط لا يعكس بالضرورة قيمته الحقيقية، بالنظر إلى تعدد مكونات التكلفة النهائية للرحلة.
وأوضح أن وكيل الأسفار لا يتحكم في جميع عناصر البرنامج، إذ تتداخل في تحديد السعر تكاليف الإقامة والنقل والتأمين والحجوزات والخدمات السياحية، فضلا عن اختيارات الزبون نفسه المتعلقة بمستوى الفنادق ونوعية الخدمات والمدة والوجهة.
ويؤكد هذا المعطى أن المسافر المغربي أصبح أكثر تدقيقا في مقارنة العروض قبل الحجز، بحثا عن أفضل توازن بين السعر وجودة الخدمات وسهولة السفر.
ومع استمرار انتعاش حركة السفر خلال الصيف، تبدو المنافسة بين الوجهات السياحية مرشحة لمزيد من التصاعد، خصوصاً أن الوجهات التي توفر إعفاءات من التأشيرة أو مساطر دخول مبسطة تملك أفضلية إضافية في استقطاب السياح المغاربة.
وفي المقابل، ستظل الوجهات التقليدية، ولا سيما الأوروبية منها، مطالبة بتطوير عروضها وتحسين الربط الجوي وتبسيط إجراءات السفر قدر الإمكان، إذا أرادت الحفاظ على حصتها من سوق السفر المغربي الذي أصبح أكثر حساسية تجاه التكلفة، والوقت، وسهولة الولوج، وجودة التجربة السياحية.
Leave a comment