سلطت الحرائق التي اجتاحت جزيرة باروس اليونانية الضوء على التحديات البيئية التي تواجهها الوجهات السياحية الشهيرة، بعدما كشف حريق اندلع داخل مكب للنفايات عن الضغوط المتزايدة التي يفرضها النمو السياحي السريع على البنية التحتية والخدمات الأساسية في عدد من جزر اليونان.
وبحسب ما أوردته صحيفة فاينانشال تايمز، فإن الحريق الذي اندلع جنوب جزيرة باروس امتد على مساحة تقارب ألف هكتار قبل أن تتمكن فرق الإطفاء من السيطرة عليه، فيما فتحت السلطات تحقيقاً موسعاً في ملابساته، انتهى بتوقيف أربعة مسؤولين محليين، من بينهم رئيس بلدية الجزيرة، قبل الإفراج عنهم في انتظار استكمال الإجراءات القضائية.
ولم تقتصر الحرائق على باروس، إذ شهدت مناطق عدة في اليونان، من بينها كريت وأندروس وليسفوس وأجزاء من إقليم بيلوبونيز، موجة حرائق واسعة ساهمت الرياح القوية في انتشارها، مخلفة أضراراً كبيرة في الغابات والغطاء النباتي والموائل الطبيعية.
وتعد جزيرة كريت الأكثر تضرراً، بعدما أتت النيران على آلاف الهكتارات من الغابات، وأجبرت السلطات على إجلاء نحو 8 آلاف شخص، كما أسفرت عن وفاة اثنين من رجال الإطفاء أثناء مشاركتهما في عمليات الإخماد.
ويرى خبراء أن هذه الحرائق أعادت إلى الواجهة إشكالية التوازن بين تنمية القطاع السياحي وحماية البيئة، خاصة في الجزر التي تستقبل أعداداً متزايدة من الزوار سنوياً دون أن تواكبها استثمارات كافية في شبكات إدارة النفايات، والموارد المائية، والبنيات التحتية البيئية.
وتستقبل جزيرة باروس، التي لا يتجاوز عدد سكانها الدائمين 15 ألف نسمة، نحو مليون مسافر سنوياً عبر مينائها ومطارها، ما يجعلها من أكثر الوجهات اليونانية نموا خلال السنوات الأخيرة، غير أن هذا الإقبال الكبير أدى إلى ضغوط متزايدة على مرافقها الحيوية.
وأظهرت وثائق رسمية أن مكب النفايات الرئيسي في الجزيرة بلغ طاقته الاستيعابية منذ عام 2022، فيما تفاقمت الأزمة بعد إغلاق مركز فرز النفايات القابلة لإعادة التدوير خلال الأشهر الماضية، الأمر الذي أدى إلى تكدس كميات كبيرة من المخلفات بالقرب من المكب، وهي المنطقة التي يعتقد المحققون أن الحريق انطلق منها.
وأكد نيكولاس ستيفانو، عضو جمعية محلية تعنى بحماية البيئة في باروس، أن اندلاع الحريق لم يكن مفاجئاً، مشيراً إلى أن الموقع شهد حوادث مماثلة في السابق بسبب تراكم المواد القابلة للاشتعال وغياب إجراءات السلامة الكافية.
كما أشار مسؤولون محليون إلى أن الطفرة العمرانية وارتفاع وتيرة تأجير المساكن السياحية قصيرة الأجل أسهما في زيادة كميات النفايات ومخلفات البناء، وهو ما زاد الضغط على منظومة التدبير البيئي، في وقت يطالب فيه مختصون بتحديث البنية التحتية واعتماد أنظمة أكثر كفاءة لإدارة النفايات، على غرار تجارب عدد من الوجهات السياحية الأوروبية.
وتبرز هذه التطورات أهمية تحقيق توازن بين النمو السياحي وحماية الموارد الطبيعية، إذ أصبحت الاستدامة البيئية عنصراً أساسياً في الحفاظ على جاذبية الوجهات السياحية، خاصة في الجزر المتوسطية التي تعتمد بشكل كبير على السياحة كمحرك رئيسي لاقتصادها.
Leave a comment