في وقت تتسابق فيه دول البلقان لاستقطاب الاستثمارات السياحية الكبرى، تحول مشروع منتجع سياحي فاخر على الساحل الجنوبي لألبانيا إلى محور جدل سياسي وقانوني وبيئي واسع، بعدما اصطدم بطعون تتعلق بملكية الأراضي ومخاوف من تأثيره على واحدة من أبرز المناطق الطبيعية المحمية في البلاد.
فهذا المنتجع السياحي الفاخر يرتقب تشييده على ساحل البحر الأدرياتيكي، بدعم من استثمارات دولية من بينها جهات مرتبطة بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت تتصاعد فيه الاحتجاجات البيئية والنزاعات العقارية المرتبطة بالمشروع الذي تراهن عليه الحكومة الألبانية لتعزيز جاذبية البلاد السياحية واستقطاب استثمارات أجنبية كبرى.
ويقع المشروع في منطقة زفرنيتس الساحلية جنوب البلاد، وهي منطقة طبيعية تتميز بتنوعها البيئي وتضم أراضي رطبة ومواقع محمية تشكل موطناً للعديد من الطيور المهاجرة والسلاحف البحرية. ويشمل المشروع إنشاء منتجع سياحي فاخر يضم فنادق ومساكن راقية ومرافق ترفيهية وميناءً لليخوت، ضمن رؤية تستهدف تحويل الساحل الألباني إلى وجهة متوسطية منافسة لكبرى الوجهات السياحية الأوروبية.
غير أن المشروع واجه اعتراضات متزايدة من سكان المنطقة، الذين يؤكدون أن جزءاً من الأراضي المخصصة له يعود إلى عائلاتهم، وأن ملكيتها أعيدت إليهم بعد سقوط النظام الشيوعي. ويقول هؤلاء إن الأراضي أدرجت ضمن المشروع دون موافقتهم أو حصولهم على تعويضات مناسبة، مستندين إلى وثائق ملكية وسجلات ضريبية يعتبرونها دليلاً على أحقيتهم القانونية.
وفي المقابل، يتمسك أرتور شيهو، الذي باع العقارات محل النزاع، بأحقيته التاريخية في تلك الأراضي، مشيرا إلى أن مطالب عائلته تعود إلى فترات سابقة تمتد إلى العهد العثماني، فيما لا تزال القضية معروضة أمام القضاء الألباني للفصل في النزاع العقاري القائم.
ولم يقتصر الجدل على مسألة الملكية العقارية، بل امتد إلى الجانب البيئي، حيث أثارت خطط التطوير مخاوف واسعة لدى المدافعين عن البيئة والمنظمات المدنية، التي حذرت من التأثير المحتمل للمشروع على النظم البيئية الحساسة في المنطقة. كما شهدت العاصمة تيرانا خلال الأسابيع الأخيرة احتجاجات شارك فيها آلاف الأشخاص، تخللت بعضها مواجهات مع قوات الأمن، للمطالبة بإيقاف المشروع وإعادة تقييم آثاره البيئية.
وفي أحدث تطور للملف، دافع رئيس الوزراء الألباني إيدي راما عن المشروع، معتبراً أن جزءاً كبيراً من الانتقادات الموجهة إليه يستند إلى معلومات غير دقيقة. وأكد أن الحديث عن بيع جزيرة سازان أو نقل ملكيتها إلى مستثمرين أجانب لا أساس له من الصحة، مشيراً إلى أن حكومته ما تزال في مرحلة التفاوض بشأن مشروع استثماري مشترك يهدف إلى إنشاء أول منتجع سياحي فاخر في الجزيرة.
وأوضح راما أن جاريد كوشنر يعد من بين المستثمرين المحتملين المشاركين في المشروع، مضيفاً أن ألبانيا أصبحت، بحسب تعبيره، “منصة للغضب المناهض لترامب في أنحاء العالم”، في إشارة إلى ما يعتبره توظيفاً سياسياً للملف.
وكشف رئيس الحكومة الألبانية أن أعمال الحفر الأولية التي كانت قد بدأت لأغراض الاستكشاف توقفت في الفترة الأخيرة، كما تمت إزالة الأسوار المؤقتة التي كانت تحيط بموقع المشروع. وأوضح أن هذا التوقف لا يرتبط بقرار رسمي بوقف الأشغال، بل يعود إلى صعوبة مواصلة العمل في ظل الضغوط الكبيرة والجدل المتواصل المحيط بالمشروع.
وشدد راما على أنه لم يتم حتى الآن تقديم أي طلب رسمي للحصول على تراخيص بناء في منطقتي سازان أو زفرنيتس، مؤكداً أن أي مشروع مستقبلي سيخضع لدراسات تقييم الأثر البيئي وفق المعايير المعمول بها. وأضاف أن الرؤية الحكومية تقوم على السماح فقط بمشاريع محدودة ومراعية للبيئة داخل هذه المناطق الحساسة.
وفي الوقت الذي ينتقد فيه نشطاء البيئة التعديلات التي أُدخلت على قانون المناطق المحمية سنة 2024، معتبرين أنها تضعف مستوى الحماية القانونية للمواقع الطبيعية، تؤكد الحكومة الألبانية أن تلك التعديلات لا تتجاوز توضيح الإطار القانوني المنظم للاستثمار داخل المناطق المحمية.
غير أن تقارير صادرة عن الاتحاد الأوروبي أشارت إلى وجود تراجع في مستوى الحماية البيئية ببعض المناطق الألبانية، وهو ما رفضه رئيس الوزراء بشكل قاطع، مؤكداً أنه لا يمكن لدولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتخوض مفاوضات متقدمة بشأن عضويتها، أن تنفذ مشروعاً بهذا الحجم دون احترام كامل لمعايير تقييم الأثر البيئي المعتمدة أوروبياً.
ويشمل المشروع أيضاً تطوير شبه جزيرة صغيرة قرب بلدة زفرنيتس، حيث تفصل الكثبان الرملية بين بحيرة نارتا والبحر الأدرياتيكي، وهي منطقة مصنفة ضمن المواقع الطبيعية ذات القيمة البيئية العالية نظراً لاحتضانها أنواعاً متعددة من الطيور والحيوانات النادرة.
ويعكس هذا الملف التحديات المتزايدة التي تواجه مشاريع السياحة الفاخرة في العديد من الوجهات الصاعدة حول العالم، حيث تتقاطع رهانات الاستثمار والتنمية الاقتصادية مع متطلبات حماية البيئة واحترام حقوق الملكية المحلية، وبين طموحات الحكومة الألبانية في تحويل البلاد إلى قطب سياحي دولي ومطالب السكان والجمعيات البيئية، يبقى مستقبل المشروع رهينا بمخرجات الحوار القانوني والبيئي الدائر حاليا، وبمدى قدرة السلطات على تحقيق التوازن بين التنمية المستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية والتراث المحلي.
Leave a comment