يحتفل العالم، اليوم الأحد 27 شتنبر، باليوم العالمي للسياحة لعام 2026، في مناسبة تستضيف السلفادور فعالياتها الرسمية، تحت شعار يركز على دور الأجندة الرقمية والذكاء الاصطناعي في إعادة صياغة مستقبل القطاع السياحي.
ويأتي احتفال هذه السنة في ظل تحول رقمي متسارع بات يطال مختلف مراحل الرحلة السياحية، بدءًا من البحث عن الوجهة واختيار مكان الإقامة، مرورًا بتصميم برنامج السفر، ووصولًا إلى إدارة التجربة السياحية وتحسين الخدمات المقدمة للزوار.
لم يعد السائح يعتمد بشكل أساسي على محركات البحث التقليدية ومواقع الحجز لاختيار وجهته، إذ بدأت أدوات الذكاء الاصطناعي تدخل بصورة متزايدة في عملية التخطيط للسفر، من خلال تقديم اقتراحات حول الوجهات والفنادق والأنشطة والأماكن السياحية، بل والمساعدة في إعداد برامج سفر متكاملة وفق اهتمامات وميزانية كل مسافر.
هذا التحول يفرض على الوجهات السياحية واقعًا رقميًا جديدًا، إذ لم يعد مجرد الوجود على الإنترنت كافيًا، بل أصبح من الضروري توفير محتوى رقمي موثوق ودقيق وسهل الوصول، حتى تتمكن المنصات الذكية من الاستناد إليه عند تقديم المعلومات والتوصيات للمسافرين.
وفي رسالة بمناسبة اليوم العالمي للسياحة، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في تغيير الطريقة التي يختار بها المسافرون وجهاتهم، وطريقة اشتغال صناعة السياحة وتصميم التجارب السياحية، مشددًا على أهمية أن تبقى التكنولوجيا في خدمة الإنسان، وأن يساهم العاملون في القطاع والمجتمعات المحلية والوجهات الناشئة في رسم ملامح المستقبل الرقمي للسياحة.
ولا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على السائح، بل يمتد إلى مختلف مكونات المنظومة السياحية، من الفنادق وشركات السفر إلى المطارات وهيئات تدبير الوجهات.
وتتيح تقنيات تحليل البيانات للفاعلين في القطاع فهم أنماط الطلب، والتنبؤ بالتوجهات السياحية، وتطوير الخدمات، وتخصيص التجارب وفق اهتمامات الزوار، فضلًا عن تحسين إدارة تدفقات السياح والحد من الضغط على بعض المواقع السياحية.
كما يمكن للتكنولوجيا أن تساهم في رفع كفاءة استخدام الموارد ودعم الاستدامة، من خلال مساعدة الوجهات على توزيع الحركة السياحية بشكل أكثر توازنًا وتشجيع الزوار على اكتشاف مناطق وتجارب جديدة.
غير أن هذا التحول يطرح، في المقابل، مجموعة من التحديات، أبرزها حماية البيانات والخصوصية، وضمان استفادة مختلف الفئات من التكنولوجيا، وتطوير مهارات العاملين في القطاع، إلى جانب الحفاظ على العنصر الإنساني الذي يشكل جزءًا أساسيًا من التجربة السياحية.
ويشكل اليوم العالمي للسياحة مناسبة للتذكير بأن السياحة لا تقتصر على السفر والترفيه، وإنما تمثل صناعة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة.
وبحسب أحدث بيانات المجلس العالمي للسفر والسياحة، ساهم قطاع السفر والسياحة بنحو 11.6 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي خلال سنة 2025، أي ما يعادل حوالي 9.8 في المائة من الاقتصاد العالمي، كما دعم نحو 366 مليون وظيفة حول العالم.
وتعكس هذه الأرقام حجم الدور الذي يلعبه القطاع في دعم اقتصادات الدول والمجتمعات المحلية، بالنظر إلى ارتباطه بمجموعة واسعة من الأنشطة، من الطيران والنقل والفنادق والمطاعم، إلى التجارة والصناعات التقليدية والمنتجات الثقافية.
ويُحتفل باليوم العالمي للسياحة في 27 شتنبر من كل عام منذ سنة 1980، بعدما تم اختيار هذا التاريخ تزامنًا مع الذكرى السنوية لاعتماد النظام الأساسي لمنظمة السياحة العالمية، التي أصبحت لاحقًا منظمة الأمم المتحدة للسياحة.
وكانت الجمعية العامة لمنظمة السياحة العالمية قد أقرت اختيار هذا التاريخ خلال دورتها الثالثة التي انعقدت سنة 1979 بمدينة توريمولينوس الإسبانية.
ويهدف اليوم العالمي للسياحة إلى تعزيز الوعي بأهمية القطاع ودوره الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وتسليط الضوء على قدرته على خلق فرص العمل ودعم التنمية المستدامة وتعزيز التواصل والتبادل بين الشعوب.
ولا تتوقف أهمية السياحة عند العائد الاقتصادي، إذ يشكل السفر والتبادل الثقافي وسيلة للتقارب والتعارف بين الشعوب، وفتح قنوات للحوار والتفاهم بين الثقافات المختلفة.
ومن هذا المنطلق، يرتبط مستقبل القطاع بمفاهيم الاستدامة والتنمية المحلية والعدالة الاجتماعية، بما يضمن استفادة المجتمعات من النمو السياحي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الموارد الطبيعية والتراث الثقافي الذي تقوم عليه الوجهات.
وتفرض التحولات الحالية على الوجهات السياحية إعادة التفكير في الطريقة التي تقدم بها نفسها للمسافر العالمي.
فمع انتقال جزء متزايد من عملية البحث عن الوجهات من محركات البحث التقليدية إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت جودة المعلومات الرقمية، وتنوع المحتوى، ودقة البيانات، وقدرة الوجهة على إبراز تجاربها السياحية، عناصر جديدة في المنافسة على السائح.
وبذلك، لم تعد المنافسة السياحية تجري فقط على أرض الواقع، بين الفنادق والوجهات والمنتجات السياحية، وإنما انتقلت أيضًا إلى الفضاء الرقمي، حيث بات السؤال الذي يطرحه المسافر على أدوات الذكاء الاصطناعي: «إلى أين أسافر؟»، جزءًا متزايد الأهمية من معادلة صناعة السياحة العالمية.
Leave a comment