بداية 2026 ترسم منعطفا حاسما للسياحة المغربية تزامنا مع تنظيم المملكة لكأس أمم إفريقيا
في ظل الانتعاشة السياحية التي يعيشها المغرب مع نهاية سنة 2025، والتي تتزامن مع تنظيم كأس الأمم الإفريقية واحتفالات رأس السنة، يبرز القطاع السياحي كأحد أبرز روافع الاقتصاد الوطني ومحركات الإشعاع الدولي للمملكة، وبين أرقام قياسية في عدد الوافدين، واستثمارات متواصلة في البنية التحتية، ورهانات جديدة على سياحة الأحداث والرياضة، تطرح المرحلة الراهنة أسئلة جوهرية حول آفاق النمو وجودته واستدامته.
في هذا الإطار، أجرت جريدة Finances News Hebdo هذا الحوار مع سعيد الطاهيري، الخبير الاقتصادي والفاعل في القطاع السياحي، لتسليط الضوء على حصيلة الموسم، وانعكاسات “كان 2025” على الجاذبية السياحية للمغرب، والفرص التي يتيحها هذا الحدث القاري لإعادة تموقع المملكة كوجهة سياحية تنافسية ذات قيمة مضافة عالية.
كيف تقيّمون وضعية القطاع السياحي المغربي مع نهاية سنة 2025؟
المؤشرات اليوم إيجابية بشكل واضح. السياحة المغربية تدخل نهاية سنة 2025 بدينامية قوية وأداء تاريخي غير مسبوق. فإلى حدود متم نونبر 2025، استقبل المغرب حوالي 18 مليون سائح، متجاوزًا مجموع عدد السياح المسجل خلال سنة 2024 بأكملها، والذي بلغ 17,4 مليون زائر، مع تسجيل نمو يقارب 13,5 في المائة مقارنة بالسنة الماضية التي كانت بدورها سنة قياسية.
ومع تزامن تنظيم كأس الأمم الإفريقية وعطلة نهاية السنة، نحن على وشك تجاوز عتبة 20 مليون سائح لأول مرة في تاريخ السياحة المغربية، مع توقع تحقيق مداخيل تفوق 130 مليار درهم من العملة الصعبة. غير أن التحدي اليوم لا يقتصر على الأرقام، بل أصبح نوعيا بالأساس، من خلال رفع متوسط إنفاق السائح، وإطالة مدة الإقامة، وتنويع التجارب السياحية، مع تشجيع الاستثمار في الإيواء والتنشيط السياحي.
وتلعب السياسات العمومية، إلى جانب تحسين الربط الجوي وسهولة الولوج، دورا محوريا في تسريع هذا المسار، خصوصا عبر تجديد العرض السياحي وتطوير خدمات الرحلات المباشرة. ويبقى الهدف الأساسي هو تحويل هذه الأرقام القياسية إلى نمو أكثر شمولية، موزع بشكل متوازن بين الجهات والفصول، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل. فالسياحة تمثل اليوم أكثر من 7 في المائة من الناتج الداخلي الخام، ولها أثر مضاعف قوي على النقل الجوي، والفندقة، والخدمات، والتجارة، ما يضع المغرب على مسار تنافسي دولي واضح نحو تحقيق هدف 26 مليون سائح في أفق 2030.
إلى أي حد يمكن اعتبار كأس إفريقيا للأمم رافعة استراتيجية لتعزيز الجاذبية السياحية، خاصة في فترة نهاية السنة؟
كأس إفريقيا للأمم 2025 تمثل رافعة استراتيجية كبرى لعدة أسباب. أولها توقيت تنظيمها، إذ تتزامن مع ذروة الموسم السياحي وعطلة نهاية السنة، وهي فترة تعرف تقليديًا طلبًا سياحيًا مرتفعًا. هذا التزامن يعزز صورة المغرب كوجهة تجمع بين السياحة الترفيهية والأحداث الرياضية الكبرى.
كما يُتوقع أن تستقطب “الكان” ما بين مليون ومليون ونصف مشجع من داخل القارة الإفريقية وخارجها، مع مدد إقامة أطول من المتوسط، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم الإنفاق في مجالات الإيواء، والمطاعم، والنقل، والترفيه. فضلًا عن ذلك، يوفر الحدث إشعاعًا إعلاميًا دوليًا قويًا، يبرز القدرة التنظيمية للمغرب ويعزز صورته لدى الأسواق الأوروبية والإفريقية والشرق أوسطية.
إلى جانب ذلك، فإن الاستثمارات المستدامة المرتبطة بالحدث، سواء في البنيات الرياضية أو النقل أو الفندقة، ستظل رافعة لجاذبية السياحة المغربية حتى بعد انتهاء البطولة. وبذلك، تلعب “كان 2025” دورا مزدوجا، كمحرك مباشر لحركة السياح، وكعامل استراتيجي لتعزيز صورة المغرب وقدراته السياحية على المدى المتوسط والطويل.
ما تأثير العروض السياحية التي تجمع بين احتفالات رأس السنة وكأس إفريقيا على الطلب وخلق القيمة؟
القطاع السياحي المغربي بلغ اليوم مستوى من النضج يسمح له بدمج البعد الرياضي مع احتفالات رأس السنة ضمن عروض متكاملة ذات قيمة مضافة عالية. هذه الصيغ تساعد على إطالة مدة الإقامة، ورفع متوسط الإنفاق، وجذب فئات سياحية ذات قدرة شرائية مرتفعة.
فمن خلال عروض “باكاج” تجمع بين حضور المباريات، والإقامة الفندقية، والأنشطة الاحتفالية، يمكن لمهنيي السياحة رفع نسب الملء خلال موسم الذروة، وتحسين هوامش الربح، وتشجيع الحجز المبكر، ما يحد من أثر الموسمية. كما أن هذه الدينامية تخلق أثرا اقتصاديا مضاعفا، عبر تحفيز التشغيل الموسمي، وتنشيط المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتعزيز مداخيل العملة الصعبة.
كيف يمكن لتكامل السياسات العمومية والاستثمار الخاص والتسويق الترابي تعظيم أثر “الكان” على السياحة؟
تعظيم أثر كأس إفريقيا للأمم يتطلب مقاربة مندمجة، تبدأ بسياسات عمومية محفزة، تشمل تسهيلات في التأشيرات، وحملات ترويجية دولية، وتنسيقا لوجستيكيا محكما بين مختلف القطاعات الحكومية. كما يتعين دعم الاستثمار الخاص عبر تحفيزات ضريبية وشراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير الإيواء والترفيه والخدمات.
وفي هذا السياق، يلعب التسويق الترابي دورا حاسما، من خلال استهداف شرائح مختلفة مثل العائلات، وعشاق الرياضة، والسياحة الفاخرة، والجالية المغربية بالخارج، مع التركيز على الأسواق الرئيسية كفرنسا، وإسبانيا، وألمانيا، والولايات المتحدة، وإفريقيا جنوب الصحراء. كما يساهم الاعتماد على القنوات الرقمية والمؤثرين الدوليين في تعزيز الإشعاع العالمي للمغرب.
ويعد حدث استضافة المغرب لمنافسات “الكان” الممتدة من 21 دجنبر 2025 إلى 18 يناير 2026 فترة ذروة سياحية بامتياز، وهو ما ينعكس بالفعل على نسب الحجز المرتفعة في المدن المستضيفة، ويعزز صورة المغرب كوجهة آمنة وعصرية.
هل يمكن لهذه الأحداث أن تعيد تموقع المغرب في سياحة الأحداث والرياضة ذات القيمة العالية؟
بكل تأكيد… كأس إفريقيا للأمم تشكل مختبرا حقيقيا لتطوير سياحة الأحداث والرياضة بالمغرب. فهي تتيح اختبار عروض تجمع بين الرياضة، والثقافة، والترفيه، وتساعد على توزيع التدفقات السياحية بين المدن المنظمة وغير المنظمة، عبر مسارات سياحية موازية.
فمثلا، يمكن لزوار طنجة اكتشاف تطوان وشفشاون، وزوار فاس زيارة مكناس وإفران، بينما يستطيع زوار مراكش وأكادير تمديد رحلاتهم نحو ورزازات والجنوب الكبير. هذا التوجه يعزز عدالة توزيع العائدات السياحية، ويرفع القيمة المضافة على مستوى التراب الوطني.
وعلى المدى الطويل، تساهم هذه الاستراتيجية في تقوية تنافسية السياحة المغربية، وجذب شرائح ذات إنفاق مرتفع، وإطالة متوسط مدة الإقامة، وتحقيق عائدات أكثر استدامة، بما يجعل “كان 2025” نموذجا ناجحا لسياحة الأحداث القادرة على دعم التنمية المتوازنة وتعزيز الصورة الدولية للمغرب.
Leave a comment