أمل الحبشي
في حوار مع الفنانة التشكيلية جميلة لغجيبلي:
في معرضها “ألوان من التراث” بالدار البيضاء، تستعيد الفنانة التشكيلية جميلة لغجيبلي ذاكرة الجنوب المغربي، وتمنح الزربية التقليدية حضورا جديدا، محوّلة الحناء والطين والرموز الشعبية إلى لغة بصرية تحتفي بالهوية والمرأة والأمل.
في المركز الثقافي كمال الزبدي بالدار البيضاء، تفتح الفنانة التشكيلية جميلة لغجيبلي أبواب عالمها الإبداعي من خلال معرضها “ألوان من التراث”. عالم تتجاور فيه ذكريات الطفولة مع الموروث الصحراوي والأمازيغي، وتتحول فيه الزربية والحناء والوجوه والأساطير إلى لوحات تنبض بالحياة. في هذا اللقاء، تستعيد الفنانة البدايات الأولى لتجربتها، وتحكي عن أسرتها وأعمالها وطقوسها الفنية، وعن الأمل الذي تصر على استحضاره حتى في أشد لحظات الألم.
من الذاكرة إلى اللوحة
وُلدت جميلة لغجيبلي سنة 1963 بمدينة الدار البيضاء، وتنحدر أصول أسرتها من الأقاليم الجنوبية للمملكة. نشأت في بيئة عائلية ارتبطت بالنسيج التقليدي وصناعة الزرابي المغربية، حيث كانت والدتها الراحلة، الحاجة مستورة السالكة مسدور، وشقيقتها ثريا لغجيبلي، من النساء المتمرسات في هذا المجال. ومنذ طفولتها، تشربت الفنانة تفاصيل هذا العالم المفعم بالألوان والخيوط والزخارف، قبل أن تنقل تلك المؤثرات إلى تجربتها التشكيلية التي تمزج فيها بين عفوية التعبير وأصالة التراث وحرية التجريب.
في معرضها “ألوان من التراث”، لا يقتصر حضور الموروث على الزينة والأشكال التقليدية، بل يتحول إلى فضاء لاستعادة الذاكرة والبحث عن الهوية والتعبير عن التجربة الإنسانية. إنها رحلة بصرية تعيد تقديم عناصر من الثقافة المغربية، في تداخل بين المرجعيات الصحراوية والأمازيغية والإفريقية.
اللوحة الأم
قبل الدخول إلى تفاصيل المعرض، تستوقف الزائر اللوحة التي تصدرت ملصقه الرسمي، والتي تعتبرها جميلة لغجيبلي بمثابة «اللوحة الأم» والشاهد على انطلاقتها التشكيلية.
تقوم اللوحة على أرضية زرقاء ملكية عميقة، تتداخل معها خطوط برتقالية وبيضاء، وتتوزع على مساحتها تشكيلات دائرية ومستطيلة تستحضر هندسة “الزواقة” الشعبية المغربية. ويبرز ضمن رموزها حرف “الزاي” الأمازيغي (ⵣ)، الذي تستحضره الفنانة بوصفه علامة على الهوية والانتماء، إلى جانب نقوش تعبيرية تستلهم خطوط اليد ورسوم الحناء التقليدية.
ولم يكن اختيار هذه اللوحة لتتصدر واجهة المعرض اعتباطيًا؛ فهي تختزل جانبًا من لغتها الفنية، حيث تتداخل حرية الرسم الفطري مع هندسة النسيج والرموز المتوارثة، في محاولة لمنح التراث حضورًا جديدًا في التعبير التشكيلي المعاصر.
الصحراء في الوجدان
حين سألنا جميلة لغجيبلي عن سر الألوان الدافئة والرموز التي تزخر بها أعمالها، أعادتنا بحنين إلى جذورها الجنوبية، قائلة:
“المنبع والأصل يعودان إلى الجنوب.. فنحن عائلة تنحدر من أصول جنوبية صحراوية أبا عن جد. فالوالدة والوالد ينحدران من قبائل صحراوية عريقة. ورغم أن العائلة رحلت مبكرًا واستقرت في الدار البيضاء، فإننا لم نغادر الصحراء، ولم تغادرنا هي وجدانًا وسلوكًا. إذ ما زلنا نعيش تقاليدنا الجنوبية بكل تفاصيلها داخل بيتنا حتى اليوم“.
وتسترسل الفنانة في استحضار يومياتها المشبعة بروح الجنوب:
“ترانا في البيت نلتف بالملاحف الصحراوية بكبرياء، ولا تخلو دارنا من طقوس الشاي الأصيل، بالبراد الصغير، الرباع، والكؤوس الصغيرة، فضلًا عن رائحة البخور وحضور المسكة الحرة والعلك في مجالس السمر، وصولًا إلى الخميرة البلدية الحامضة الموروثة عن جداتنا، والتي ما زلنا نعتمد عليها في إعداد خبزنا اليومي“.
وتضيف: “كل ما هو جنوبي وصحراوي نعيشه يوميًا. وعندما انخرطت في الفن، حرصت على إغناء هذه التجربة بمخالطة أهل الصحراء، والاستزادة من ثقافتهم الأصيلة، لنقل هذه الروح الحية وطقوس ثقافة البيظان إلى قلب لوحاتي“.
وهكذا، تتحول الذاكرة اليومية، بما تحمله من أزياء وروائح وطقوس وحكايات، إلى معين يغذي التجربة الفنية ويمنح الأعمال أبعادها الوجدانية والثقافية.
الحناء الأولى
تعود البدايات الفنية لجميلة لغجيبلي إلى طفولتها، وتحديدًا إلى سن العاشرة، حين شرعت في اكتشاف إمكانات الحناء الطبيعية بوصفها مادة للرسم والصباغة والنقش. وفي ظل محدودية الأدوات الفنية المتاحة، كانت تبتكر وسائلها الخاصة، مستعينة بـ”الدواية” التقليدية و”العود الأسود”، أو المرود الخشبي القديم الذي كانت النساء يستعملنه للاكتحال والنقش، لترسم أشكالها وتخط رسومها على الورق والقماش والخشب.
ولم تتوقف تجارب الطفلة عند الحناء، بل امتدت إلى استخدام الشريط اللاصق، أو “السكوتش”، لتحديد المساحات الهندسية وضبط حدود الألوان. فقد كانت تقصه بالمقص إلى أشكال دقيقة، وتثبته فوق اللوحة، ثم توزع الصباغة المائية حوله للحصول على خطوط مستقيمة وفواصل لونية واضحة.
ومع مرور السنوات، تطورت هذه التجارب البسيطة لتصبح جزءا من لغتها التشكيلية. ففي معرضها الحالي، تنتقل الحناء من كف المرأة، حيث ارتبطت بالزينة والطقوس الاجتماعية، إلى سطح اللوحة الفنية، لتتحول إلى مادة تحمل رموزًا إنسانية وثقافية.
ومن بين أعمالها لوحات منقوشة بالكامل بالحناء، تستحضر هيئات بشرية ومعاني البركة والسلام والأمان. وهكذا، تتجاور الحناء مع الرسم الفطري والنسيج والزربية، في امتداد لفكرة طفولية نمت مع الزمن وأصبحت إحدى العلامات المميزة لتجربتها الفنية.
الزربية داخل الإطار
حين تستعيد جميلة لغجيبلي حاضنتها الإبداعية الأولى، تتذكر والدتها الراحلة، الحاجة مستورة السالكة مسدور، التي كانت متمرسة في نسج الزرابي التقليدية وأسهمت في نقل خبرة النسيج إلى أفراد الأسرة. كما تستحضر شقيقتها ثريا لغجيبلي، التي تبدع بدورها في مجال النسيج التقليدي، رغم الإعاقة الحركية التي تعيش معها، وتتمتع بحضور فاعل داخل الأسرة والمجتمع. وكانت ثريا سندا حقيقيًا لجميلة، إذ أسهمت في رعاية أبنائها إيمان وأنس ونعمان سميهرو خلال فترات انشغالها بالفن.
وفي ذلك الفضاء العائلي المفعم برائحة الصوف وحركة المغازل، خلال سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، تشكلت علاقتها الأولى بالنسيج، قبل أن تتجدد هذه العلاقة في أعمالها التشكيلية.
ولم تكتفِ الفنانة بنقل زخارف الزربية، أو ما يعرف بـ”الزواقة، إلى القماش باستعمال الألوان، بل اشتغلت أيضًا على “الزربية السباعية” المرتبطة بالموروث الحرفي لمنطقة مراكش.
فقد اختارت الصوف الطبيعي ونسجت منه زربية بيديها، ثم وضعتها داخل إطار خشبي، أو “كادر”، لتمنحها حضورًا جديدًا في فضاء العرض. فالزربية التي اعتاد الناس بسطها على الأرض تتحول هنا إلى عمل فني معلق على الجدار، يدعو المتلقي إلى تأمل تفاصيل النسيج والزخرفة والتكوين.
وتسعى جميلة، من خلال هذا الاختيار، إلى إعادة الاعتبار للقيمة الجمالية والرمزية للزربية التقليدية، وإدخالها في حوار مع التعبيرات التشكيلية المعاصرة، حيث تتجاوز وظيفتها الاستعمالية لتصبح حاملة للذاكرة والهوية والإبداع. ويتجلى البعد الرمزي أيضًا في توظيف “العقدة” أو “الخرزة التراثية” المرتبطة بالنسيج، التي تستحضر معاني الربط والميثاق والارتباط بالجذور، والعبور بين الماضي والحاضر.
وتتداخل هذه العلامات مع رموز محفورة على الألواح الخشبية، من بينها حرف الزاي الأمازيغي (ⵣ)، الذي تمنحه الفنانة دلالات التآلف والانتماء ولمّ الشمل.
وقد امتد حضور جميلة لغجيبلي إلى مدينة السعيدية، حيث شاركت في الدورة الثانية لمهرجان ومعرض “الأمواج الملونة”، خلال شهر غشت، إلى جانب عدد من الفنانين التشكيليين، في تجربة أتاحت لها تقديم جانب من أعمالها إلى جمهور أوسع.
العنقاء والجمال الأنثوي
في جولة بين لوحات المعرض، تستوقف الزائر لوحة تستحضر أسطورة طائر العنقاء، أو الفينيق، الذي ينهض من رماده بعد الاحتراق. وتشرح الفنانة دلالتها قائلة:
“هذه اللوحة تجسد الأمل الإنساني بعد الكرب والنزاعات والحروب التي يشهدها العالم، فالاحتراق يمثل الألم، لكن انبعاث العنقاء من وسط الرماد، محاطًا بالألوان الحارة كالأحمر الناري والأصفر الشمسي، يعلن ميلاد الفرج والصفاء“.
وتتقاطع هذه الرؤية المتفائلة مع لوحة أخرى لامرأة ذات جدائل طويلة، تتزين بحلي تراثية تستحضر الموروث الأمازيغي والجنوبي. وتوضح جميلة أن العمل يجسد صورة المرأة في الماضي، التي تعتني بأنوثتها وتصون كبرياءها داخل القبيلة، وتنتظر الزواج والارتباط برجل ذي مكانة مرموقة في جماعتها.
وتغدو الجدائل في هذه الصورة خيوطا رمزية تصل الأجيال بعضها ببعض، فيما تمثل الحلي التي تتزين بها المرأة علامات على الهوية والاعتزاز بالأصل والانتماء. أما الزواج، فيحضر بوصفه تعبيرًا عن الروابط الاجتماعية والتآلف ووحدة “الدار الكبيرة”.
وبين أسطورة العنقاء وصورة المرأة المتزينة بحليها وجدائلها، تتشكل رؤية فنية تحتفي بالقدرة على التجدد، وبالجمال باعتباره امتدادًا للذاكرة والحياة.
آسفي.. الأمل من الطين
لم تبقَ ريشة جميلة لغجيبلي حبيسة عالم الرموز التراثية والأسطورية، بل انفتحت على آلام الواقع ومآسيه من خلال لوحة تستحضر فاجعة الفيضانات التي شهدتها مدينة آسفي في السنة الماضية، ولا سيما منطقة باب الشعبة بالمدينة العتيقة.
تفيض اللوحة بالشجن، وتستحضر السيول الجارفة وما خلفته من خسائر في الأرواح والممتلكات، وما رافقها من معاناة للسكان الذين فقد بعضهم مصادر رزقهم، فيما أتت المياه على ممتلكاتهم وألحقت بها أضرارا جسيمة.
غير أن رؤية الفنانة لا تستسلم للمأساة، فاللوحة لا تتوقف عند مشاهد الخراب، بل تستحضر أيضًا إمكان النهوض واستئناف الحياة. ففي قلب هذا المشهد، يبرز “باب الشعبة” التاريخي بوصفه شاهدًا على ذاكرة المكان، فيما تحضر صورة الحرفيين وصناع الخزف والفخار المتشبثين بحرفهم وبالأمل في تجاوز المحنة.
وفي هذا الموقف تتجلى المفارقة الفنية للعمل، فالطين والأوحال اللذان حملتهما السيول وأسهمَا في مشهد الدمار يتحولان في الخيال التشكيلي إلى مادة للحياة والإبداع. فالطين نفسه الذي غمر الأزقة والمحلات هو المادة التي يعجنها الحرفيون بأيديهم ويطوعونها بصبرهم، ليصنعوا منها أوانيهم وتحفهم، ويعيدوا إلى المدينة شيئًا من روحها ونبضها.
وبهذا التداخل بين الفاجعة والأمل، والخراب والإبداع، تتحول اللوحة إلى شهادة بصرية على الألم الإنساني، واحتفاء بقدرة الإنسان على النهوض من جديد، حيث يصبح الطين رمزًا مزدوجًا للمحنة والانبعاث.
وفاء وامتنان
انتقلت جميلة لغجيبلي من سنوات الاشتغال الهادئ داخل مرسمها إلى فضاء العرض بفضل دعم أسري وتشجيع فني وثقافي متواصل. فقد وجدت في زوجها عمر سميهرو رفيق درب وسندًا معنويًا رافق خطواتها، وفي أبنائها إيمان وأنس ونعمان سميهرو دعمًا ماديًا ونفسيًا أسهم في إخراج تجربتها إلى العلن.
وكان لتشجيع الفنان عبد القادر مسكار أثر في تطوير أدواتها الفنية، إذ وجهها نحو استعمال ألوان الأكريليك والقماش المخصص للرسم، مما أتاح لها توسيع مجال التجريب.
كما قادها مسارها الفني إلى لقاء الأستاذ أحمد بويدي، رئيس جمعية “بصمات للفنون الجميلة” بمديونة، قبل أن تجد في الدكتورة أسماء الرفاعي، مديرة المركز الثقافي كمال الزبدي بالدار البيضاء، دعمًا وتشجيعًا، حيث أتاحت لها فضاء العرض بكل ترحيب وحرية، ليخرج معرضها الأول إلى النور.
ولم يخلُ حفل افتتاح معرضها الأخير من لحظة إنسانية مؤثرة، حين منحت جميلة شرف قص شريط الافتتاح لشقيقتها ثريا لغجيبلي، التي تصفها بأنها “أمي الثانية وسندي الروحي”. وكانت تلك اللحظة اعترافًا بما قدمته ثريا من محبة وتضحيات، وبالدور الذي اضطلعت به في رعاية أبناء شقيقتها ومساندتها خلال سنوات انشغالها بالمرسم والإبداع.
وقد أضفى حضور الأهل والجيران والأصدقاء على الافتتاح أجواء من الدفء والبهجة، حتى بدا الحفل أشبه بتتويج لمسار طويل من العمل والصبر، تُوّج أيضًا بحصول الفنانة على شهادة تقديرية. ولا تنسى جميلة أن تخص زوجها وأبناءها بعبارات الشكر والوفاء، تقديرًا لما قدموه من مساندة أسهمت في تحويل حلم المعرض إلى واقع.
عاش المغرب
تلتقي هذه الأبعاد الإنسانية والفنية تحت الشعار الوطني الذي ترفعه جميلة لغجيبلي: “عاش المغرب”.. وهو شعار ترى فيه الفنانة تعبيرًا عن وحدة الموروث المغربي وتعدد روافده، من أنغام الموسيقى التي سكنت وجدانها منذ الطفولة، إلى طيات الزربية السباعية وطقوس الحناء ولمسات الرسم، وصولًا إلى حركية التمثيل والتعبير الفني.
إن المعرض، بهذا المعنى، دعوة إلى التآلف ولمّ الشمل، والعودة إلى «الدار الكبيرة» التي تتسع لجميع المغاربة، من شمال المملكة إلى أقصى جنوبها الصحراوي. وفي هذه الدار الرمزية، تتجاور الذاكرات والتقاليد والألوان، وتلتقي التعبيرات الفنية لتشكل صورة لهوية مغربية متعددة الروافد، متجذرة في تاريخها ومنفتحة على التجديد.
وهكذا، تقدم جميلة لغجيبلي رؤية للتراث لا باعتباره ماضيًا جامدًا أو مجرد زخارف متوارثة، بل بوصفه ذاكرة حية تتنفس عبر الإبداع، وتحمل أفراح الناس وآلامهم، وتقاوم النسيان، وتنهض دائمًا بالأمل.
ومن دفء هذه “الدار الكبيرة”، التي تجمع الذاكرة بالفن، يتردد النداء الذي اختارته الفنانة عنوانًا للوفاء والانتماء: “عاش المغرب”.
Leave a comment