تشهد السياحة الداخلية بالمغرب تحولات لافتة خلال الموسم الصيفي الحالي، مع تغير واضح في سلوك المسافرين وأنماط السفر، حيث لم تعد الوجهات الشاطئية التقليدية وحدها تستأثر باهتمام المغاربة، في ظل تنامي الإقبال على الوجهات الطبيعية والقرى الساحلية الهادئة، والبحث عن تجارب سياحية أكثر أصالة، تجمع بين الطبيعة والثقافة والتراث المحلي.
ورغم احتفاظ مدن الشمال بمكانتها كأبرز وجهات الاصطياف، فإن المؤشرات الحالية تعكس موسماً مختلفاً مقارنة بالسنوات الماضية، إذ اتسمت الحجوزات بالتأخر، وتراجعت مدة الإقامة، بينما أصبحت الاعتبارات المرتبطة بالميزانية والأسعار عاملاً حاسماً في اتخاذ قرار السفر.
ويعزو مهنيون هذا التراجع النسبي في الطلب إلى عدة عوامل، من بينها توجيه عدد كبير من المغاربة جزءا مهما من ميزانياتهم لمتابعة منافسات كأس العالم 2026، سواء بالسفر إلى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك أو بمتابعة الحدث، وهو ما انعكس على وتيرة الإقبال على العطل الداخلية خلال بداية الموسم الصيفي.
وفي المقابل، يؤكد الفاعلون في القطاع أن الطلب على السياحة الوطنية لا يزال قائما، لكنه أصبح أكثر حذراً ومرونة، مع انتشار الحجوزات في اللحظات الأخيرة، والاعتماد على رحلات قصيرة، والبحث عن أفضل العروض من حيث الجودة والسعر، وهو ما دفع المهنيين إلى مراجعة عروضهم السياحية وتكييفها مع المتطلبات الجديدة للمسافرين.

ولا تزال مدن الشمال وعلى رأسها طنجة وتطوان والمضيق والفنيدق والحسيمة، تتصدر قائمة الوجهات الأكثر استقطابا للأسر المغربية، بفضل تنوع شواطئها، وسهولة الوصول إليها، وغناها الطبيعي والثقافي. غير أن الموسم الحالي يشهد، في المقابل، بروز اهتمام متزايد بوجهات أقل ازدحاما، يفضلها الباحثون عن الهدوء والخصوصية بعيداً عن الاكتظاظ الذي يميز المدن الساحلية الكبرى.
وفي هذا السياق، سجلت مناطق مثل شفشاون، وأقشور، وواد لاو، والسطيحات، والجبهة، وقاع أسراس، ارتفاعا ملحوظا في عدد الزوار، مستفيدة من تزايد الطلب على السياحة البيئية، والرحلات الجبلية، والشواطئ الطبيعية غير المستغلة بشكل مكثف.
كما برزت مدينة الداخلة ضمن الوجهات الصاعدة، بفضل تنوع عروضها السياحية، خاصة في مجالات الرياضات البحرية والسياحة البيئية، إلى جانب مدن أخرى مثل أصيلة والعرائش والقنيطرة ومرزوكة، التي يرى مهنيون أنها تمتلك مؤهلات سياحية كبيرة ما تزال بحاجة إلى مزيد من الترويج والاستثمار.

ويشير متابعون إلى أن مفهوم العطلة لدى السائح المغربي يشهد تحولا تدريجيا، إذ لم يعد يقتصر على الإقامة بالفنادق أو قضاء الوقت على الشاطئ، بل أصبح يركز على خوض تجارب متنوعة تشمل المشي في الطبيعة، واستكشاف المتنزهات الوطنية، وممارسة الأنشطة الرياضية، والتعرف على المطبخ المحلي والمنتجات المجالية، والانغماس في العادات والتقاليد المحلية.
كما لعبت منصات التواصل الاجتماعي ومنصات الحجز الإلكتروني دوراً متزايداً في توجيه اختيارات المسافرين، حيث باتت الصور والتجارب المنشورة عبر الإنترنت عاملا مؤثرا في اكتشاف وجهات جديدة، وهو ما ساهم في انتشار الرحلات القصيرة على مدار السنة، بدلا من الاقتصار على عطلة صيفية واحدة.
وفي الوقت نفسه، يشهد السوق السياحي الوطني تنوعا أكبر في فئات المسافرين، إذ لم تعد الأسر وحدها المحرك الرئيسي للسياحة الداخلية، بل ارتفع حضور الشباب، والأزواج، ومجموعات الأصدقاء، الذين يفضلون الرحلات القصيرة والأنشطة المشتركة والتجارب الترفيهية المختلفة.
ورغم هذا التطور، لا يزال عدد من المغاربة يفضلون قضاء عطلتهم خارج البلاد، خاصة في وجهات مثل إسبانيا وتركيا، إضافة إلى وجهات آسيوية وأوروبية أخرى، وهو ما يدفع الفاعلين في القطاع إلى الدعوة لتكثيف الترويج للمؤهلات السياحية التي تزخر بها مختلف جهات المملكة، وإبراز الوجهات غير المعروفة بالشكل الكافي.

ويرى مهنيون أن مستقبل السياحة الداخلية بالمغرب يمر عبر تنويع المنتجات السياحية، والابتكار في الخدمات، وتطوير الإيواء، وخلق تجارب محلية مميزة، إلى جانب تثمين المؤهلات الطبيعية والثقافية لمختلف المناطق، بما يعزز جاذبية الوجهات الوطنية ويرفع قدرتها على استقطاب السياح المغاربة على مدار السنة، في إطار سياحة مستدامة تحقق التنمية الاقتصادية لفائدة الساكنة المحلية.
Leave a comment