عادت جزيرة مايوركا الإسبانية إلى واجهة الجدل حول السياحة المفرطة، بعدما خرج آلاف السكان في احتجاجات واسعة للمطالبة بتقليص أعداد الزوار ووضع حد لما يعتبرونه ضغوطا متزايدة تهدد جودة الحياة والبيئة والتوازن الاجتماعي في واحدة من أشهر الوجهات السياحية في البحر الأبيض المتوسط.
وانطلقت المظاهرة من ساحة إسبانيا وسط مدينة بالما، عاصمة الجزيرة، قبل أن يجوب المشاركون شوارع المدينة وصولا إلى محيط الكاتدرائية، حيث اختتمت الفعالية بتلاوة بيان دعا إلى مراجعة النموذج السياحي الحالي والبحث عن حلول أكثر استدامة.
وجاءت الاحتجاجات بدعوة من مبادرة “سياحة أقل.. حياة أكثر”، التي نظمت التحرك للعام الثالث على التوالي تحت شعار “مايوركا وصلت إلى أقصى حدودها”. وكان المنظمون يتوقعون مشاركة نحو 40 ألف شخص، فيما قدرت الشرطة المحلية عدد المتظاهرين بحوالي 25 ألفاً.
ورفع المحتجون لافتات تحمل عبارات من قبيل “مايوركا تجاوزت طاقتها الاستيعابية” و**”لم يعد هناك متسع”**، في رسالة تعكس تنامي المخاوف من تداعيات التدفق السياحي الكبير على الجزيرة، خاصة خلال ذروة الموسم الصيفي الذي يشهد توافد أعداد قياسية من السياح، ولا سيما من ألمانيا والمملكة المتحدة.
واختار المنظمون توقيت الاحتجاج ليتزامن مع أكثر فترات السنة ازدحاماً بالزوار، في خطوة تهدف إلى لفت الأنظار إلى التحديات التي تواجهها الجزيرة، وذلك قبل نحو عام من الانتخابات الإقليمية في جزر البليار.
ويؤكد المحتجون أن الارتفاع المستمر في أعداد السياح أسهم في تفاقم أزمة السكن، ورفع أسعار الإيجارات، وزيادة الاختناقات المرورية، وتراكم النفايات، وارتفاع مستويات الضوضاء، فضلا عن الضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية والبنية التحتية.

ويتمثل أبرز مطالب المحتجين في فرض سقف لأعداد الزوار وتنظيم نشاط الإيجارات السياحية قصيرة الأمد، معتبرين أن الانتشار المتزايد لهذا النوع من الإقامات أدى إلى تقليص المعروض من المساكن المخصصة للسكان المحليين، وجعل امتلاك أو استئجار مسكن أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لذوي الدخل المتوسط.
وتحذر جمعيات الأحياء والمنظمات البيئية من أن استمرار السياحة الجماعية بالوتيرة الحالية قد يفاقم التأثيرات البيئية، من خلال زيادة التلوث، واستنزاف الموارد المائية، والإضرار بالمساحات الطبيعية، وهو ما يدفعها إلى المطالبة بتبني نموذج سياحي أكثر استدامة يوازن بين المكاسب الاقتصادية والحفاظ على جودة الحياة.
وتأتي احتجاجات مايوركا في سياق أوروبي أوسع، إذ تشهد عدة وجهات سياحية شهيرة، من بينها برشلونة والبندقية وأمستردام، مطالب متزايدة بإعادة تنظيم القطاع السياحي، عبر الحد من الاكتظاظ، وفرض رسوم على الزوار، وتشديد الرقابة على الإيجارات السياحية، في ظل السعي إلى تحقيق توازن بين ازدهار السياحة وحماية المجتمعات المحلية والموارد الطبيعية.
Leave a comment