سلّط الباحث البوركينابي باتريس كوراوغو الضوء على غنى المعارف التربوية والثقافية المتوارثة لدى شعب الموسي في بوركينا فاسو، مبرزا دورها في نقل القيم بين الأجيال، وتكوين شخصية الفرد، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، والحفاظ على الهوية الجماعية، وذلك خلال محاضرة علمية احتضنتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026.
وتندرج هذه المحاضرة، التي احتضنتها قاعة الندوات عبد الواحد خيري، ضمن الأنشطة العلمية التي ينظمها مختبر السرديات والخطابات الثقافية، بشراكة مع شعبة اللغة والأدب الفرنسي بالكلية، وأطّرتها الأستاذة سميرة دويدر، تحت عنوان “المعارف والمهارات التربوية والثقافية لدى شعب الموسي”.
واستعرض كوراوغو، مدير البحث بمعهد علوم المجتمعات التابع للمركز الوطني للبحث العلمي والتكنولوجي ببوركينا فاسو، مجموعة من الممارسات والمعارف المحلية التي تشكل رصيدا ثقافيا متوارثا، وتسهم في تأطير الحياة اليومية للمجتمع، من خلال اللغة والأعراف والتقاليد وأساليب التربية والتفاعل الاجتماعي.
اللغة والتراث الشفوي.. ركيزتان للهوية الجماعية
ويُعد شعب الموسي من أكبر المجموعات الإثنية في بوركينا فاسو، وينتمي إلى مجموعة الغور، ويتركز وجوده أساسا في حوض نهر فولتا. وتشكل لغة الموري أحد أبرز مكونات هويته الثقافية، إذ تتجاوز وظيفتها التواصلية لتؤدي دورا أساسيا في نقل الذاكرة الجماعية والقيم والأعراف من جيل إلى آخر.
وفي هذا السياق، أبرز الباحث أهمية إتقان اللغة المحلية وفهم قواعد التواصل داخل المجتمع، مشيراً إلى أن حسن التعبير واختيار الكلمات يرتبطان بمكانة الفرد وكرامته وسمعته، كما يؤثران في طبيعة العلاقات التي تجمعه بمحيطه الاجتماعي.
وتكشف هذه المقاربة عن المكانة التي يحتلها التراث الشفوي في منظومة التربية التقليدية لدى شعب الموسي، باعتباره وسيلة لنقل الخبرات والتصورات الثقافية، وتعليم الأفراد كيفية التعامل مع مختلف المواقف الاجتماعية.
من التربية إلى التضامن.. معارف تؤطر الحياة اليومية
وتناولت المحاضرة مجموعة من المجالات التي تشملها المعارف المتوارثة، من بينها التربية على حماية الحياة والوقاية من الأخطار، واكتساب مهارات الدفاع عن النفس، وفهم المسؤوليات الاجتماعية والالتزامات المرتبطة بمكانة الفرد داخل الجماعة.
كما تطرق كوراوغو إلى أساليب تربية الأطفال وتصحيح سلوكهم، بما في ذلك العقوبات المعتمدة في بعض الممارسات التقليدية، باعتبارها إحدى الوسائل التي يُلجأ إليها للتذكير بالقواعد الاجتماعية وترسيخ الانضباط واحترام الالتزامات.
وفي الجانب المتعلق بالعلاقات الإنسانية، توقف الباحث عند أهمية التعاون والتضامن واحترام الآخرين، وما تؤديه هذه القيم من دور في تقوية الروابط بين أفراد المجتمع، وتيسير الاندماج في الحياة الجماعية، والمحافظة على التوازن داخل الأسرة والمحيط الاجتماعي.
وتعكس هذه الممارسات، وفق المحاور التي تناولتها المحاضرة، منظومة تربوية تتجاوز حدود التعليم النظامي، لتشمل مختلف أشكال التعلم التي تتم داخل الأسرة ومن خلال التفاعل اليومي مع المجتمع.
وامتدت محاور العرض إلى العادات المرتبطة بالزواج، بدءا من اختيار الشريك وصولا إلى الإجراءات الاجتماعية المصاحبة للارتباط، وما ينشأ عنه من علاقات ومسؤوليات بين الزوجين والأسرتين والمحيط الاجتماعي.
كما تناول الباحث المعارف والممارسات المرتبطة بالموت، بما فيها طقوس تجهيز المتوفى وتنظيم مراسم الجنازة ومواساة الأسر المفجوعة، مبرزاً ما تحمله هذه التقاليد من أبعاد اجتماعية وثقافية تسهم في تنظيم علاقة الفرد بالجماعة خلال مختلف مراحل الحياة.

وتتيح دراسة هذه الممارسات فهما أعمق لكيفية تشكل العادات والتقاليد داخل المجتمعات الإفريقية، والوظائف التي تؤديها في تنظيم العلاقات الإنسانية ونقل التصورات والقيم المتوارثة.
وتوقف كوراوغو عند التحولات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالحداثة، وما تفرضه من تغيرات في أنماط العيش والقيم والممارسات التقليدية، بما يثير تساؤلات حول سبل ضمان استمرارية هذه المعارف وقدرتها على الوصول إلى الأجيال الجديدة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية توثيق الموروث الثقافي الشفوي ودراسته وتثمينه، باعتباره رصيدا معرفيا يعكس التجارب التاريخية للمجتمعات الإفريقية، ويسهم في الحفاظ على ذاكرتها الجماعية وتعزيز تماسكها الاجتماعي.
كما تفتح دراسة أنظمة المعرفة المحلية آفاقا أمام البحث الأكاديمي لفهم تنوع التجارب التربوية والثقافية في القارة الإفريقية، بعيداً عن حصر المعرفة في المؤسسات التعليمية الرسمية، مع الاهتمام بالأدوار التي تؤديها الأسرة والتقاليد والممارسات اليومية في تكوين الأفراد.
البحث في التراث الإفريقي وتعزيز الحوار الثقافي
واختُتمت المحاضرة بنقاش تفاعلي شارك فيه الطلبة والأساتذة الباحثون، وتركزت الأسئلة والمداخلات حول طبيعة المعارف المحلية لدى شعب الموسي، وطرق انتقالها بين الأجيال، والتحديات التي تواجه الحفاظ عليها في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية المعاصرة.
ويأتي هذا اللقاء في سياق الاهتمام الأكاديمي المتزايد بدراسة التراث الإفريقي وأبعاده الاجتماعية والتربوية، من خلال مقاربات تجمع بين البحث الميداني والتحليل الثقافي والاهتمام بالذاكرة الشفوية.
وتتركز أبحاث باتريس كوراوغو على الأبعاد الاجتماعية والثقافية للتراث الإفريقي، مع اهتمام خاص بالموروث الشفوي لدى شعب الموسي، بما يشمل الحكايات والأمثال والرموز المتداولة داخل المجتمع.
كما أنجز الباحث دراسة حول الأقوال والتصورات المرتبطة بالحيوانات في الثقافة الموسية، تناول فيها دلالاتها الاجتماعية والثقافية وأدوارها في نقل المعارف والقيم والتعبير عن هوية المجتمع، بما يبرز أهمية الموروث الشفوي بوصفه مدخلاً لفهم أنظمة التفكير والتربية داخل المجتمعات الإفريقية.
Leave a comment