بعد عقود من احتضانها لعشاق الفن السابع، تستعد سينما الأمل بمنطقة الرصيف التاريخية في مدينة فاس لفتح صفحة جديدة من تاريخها، بعدما تحولت بنايتها إلى ورش لإعادة البناء والتأهيل، وسط معطيات محلية تفيد بأن المشروع يتجه إلى تحويلها إلى وحدة فندقية مخصصة لإيواء السياح.
وعاينت الجريدة ميدانياً الأشغال الجارية بالمبنى، والتي انطلقت قبل بضعة أشهر، وشملت إعادة بناء أجزاء واسعة منه، بالتوازي مع الحفاظ على عدد من عناصر واجهاته الخارجية وملامحها الأصلية، لاسيما النوافذ والأبواب.
كما وقفت الجريدة على تصاميم النوافذ الخاصة بالطابق الذي تمت إضافته إلى المبنى، والتي أنجزت وفق نمط قريب من النوافذ القديمة، في محاولة للحفاظ على قدر من الانسجام البصري مع الطابع المعماري الأصلي للسينما.
وبحسب مصادر محلية، فإن المشروع الجديد يكتسي طابعاً سياحياً، مشيرة إلى أن صاحب المشروع يتوفر على فندق آخر بالقرب من المنطقة، التي تعد من بين أبرز الوجهات السياحية داخل مدينة فاس.
وبينما تتغير ملامح المبنى، لا تزال ذاكرة السينما حاضرة لدى أبناء المنطقة، خصوصاً لدى الجيل الذي عايش سنوات ازدهارها.
محمد، رجل ثمانيني من أبناء الأحياء المحيطة، استعاد في حديث للجريدة صوراً من زمن كانت فيه سينما الأمل وجهة مفضلة لمئات السكان، الذين كانوا يقصدونها لمتابعة الأفلام الهندية والأمريكية وغيرها، في فترة كانت فيها قاعات السينما تشكل جزءاً أساسياً من الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة.
ولم يحافظ المبنى على وظيفته السينمائية طيلة العقود الماضية، إذ احتضن لاحقاً أنشطة تجارية واستعمالات مختلفة، من بينها مقر محلي لحزب سياسي، قبل أن يتوقف عن هذا الدور بدوره قبل أكثر من خمس سنوات.
ورغم أن تحويل السينما إلى مشروع سياحي يثير لدى البعض شعوراً بفقدان معلمة ارتبطت بذاكرة جماعية، فإن محمد ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة، معتبراً أن إعادة توظيف المبنى أفضل من بقائه مغلقاً أو مهملاً، وأن المشروع الجديد يمكن أن يساهم في تحريك النشاط الاقتصادي والسياحي بالحي والمدينة.
ولا تبدو سينما الأمل حالة معزولة في فاس، إذ شهدت المدينة خلال السنوات الماضية تراجعاً لعدد من قاعات السينما التاريخية، سواء بسبب إغلاقها أو تغيير وظائفها، في ظل التحولات التي عرفتها صناعة الفرجة وانتقال جزء كبير من الجمهور إلى المنصات الرقمية والبدائل الحديثة.
وبينما تختفي تدريجياً الوظيفة الأصلية لسينما الأمل، يطرح المشروع الجديد سؤالاً أوسع من حدود المبنى: هل يمكن منح المعالم القديمة وظائف جديدة من دون أن تفقد صلتها بذاكرة المدينة؟
ففي مدينة مثل فاس، حيث تتداخل الذاكرة العمرانية مع التاريخ الثقافي والاجتماعي، لا يتعلق الأمر فقط بإعادة بناء جدران أو تغيير وظيفة بناية، بل بكيفية الحفاظ على ملامح الماضي، وفي الوقت نفسه إيجاد استعمالات جديدة تضمن لهذه الفضاءات الاستمرار والحضور في حياة المدينة.
Leave a comment