اختار المكتب الوطني المغربي للسياحة (ONMT) التحول بشكل واضح نحو التسويق الرقمي وصناعة المحتوى عبر المؤثرين، في خطوة تعكس تغيرا عميقا في مقاربة للترويج للمغرب كوجهة سياحية رائدة في السياحة العالمية، وذلك من خلال صفقة جديدة فازت بها مجموعة وكالات تقودها شركات فرنسية، بقيمة إجمالية تتجاوز 46 مليون درهم.
ووفق معطيات متداولة، فقد رست الصفقة على تحالف يضم وكالتي “Heaven” و“Hopscotch Tourism” الفرنسيتين، إلى جانب وكالة مغربية واحدة، لتولي تنفيذ خدمات تندرج ضمن ما وُصف بـ”الاستراتيجية الرقمية” و”صناعة المحتوى”، مع تركيز خاص على استقطاب مؤثرين دوليين للترويج للمغرب في الأسواق الخارجية.

تحول استراتيجي في أدوات الترويج السياحي
ويعكس هذا التوجه انتقال المكتب الوطني المغربي للسياحة في دعايته للمنتوج السياحي من وسائل الترويج التقليدية، مثل الإعلانات التلفزيونية، اللوحات الإشهارية، والحملات الورقية الكلاسيكية، إلى التسويق عبر المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، التي باتت تلعب دورا حاسما في تشكيل اختيارات السفر، خاصة لدى الأجيال الشابة.
ويعتمد هذا النموذج الجديد على قوة “التجربة المصورة” وسرد القصص عبر حسابات مؤثرين يتوفرون على ملايين المتابعين، بهدف تقديم المغرب كوجهة سياحية عصرية، قريبة، ومتعددة التجارب، بدل الاكتفاء برسائل إعلانية مباشرة تقليدية.

انتقادات حول الجدوى من وسائل التواصل الاجتماعي في الدعاية
غير أن هذا الخيار لم يمر دون إثارة الجدل، إذ يرى منتقدون أن التسويق عبر المؤثرين قد يتحول في كثير من الحالات، إلى رحلات سياحية ممولة من المال العام، يقتصر مردودها على صور عابرة ومنشورات قصيرة الأجل، يختفي أثرها بانتهاء “الستوري” أو الحملة الرقمية، دون قياس دقيق لتأثيرها الفعلي على عدد الوافدين أو مدة الإقامة أو الإنفاق السياحي.
وفي المقابل، يعتبر مختصون في التسويق السياحي أن الإشهار التقليدي، رغم كلفته، يظل أكثر استقرارا من حيث الرسالة والانتشار الزمني، بينما يتطلب التسويق عبر المؤثرين اختيارا دقيقا للأسماء، وربط الأداء بمؤشرات قياس واضحة تضمن مردودية الاستثمار المخصص لهذه العملية الترويجية.

رهان على الصورة والتسويق السريع
ويراهن المكتب الوطني المغربي للسياحة، من خلال هذه الصفقة، على التأثير السريع والعابر للحدود الذي توفره المنصات الرقمية، خاصة في ظل المنافسة الشرسة بين الوجهات السياحية العالمية، وسعي المغرب إلى تعزيز حضوره في الأسواق الأوروبية والأمريكية والآسيوية.
كما يندرج هذا التوجه ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تجديد صورة المغرب السياحية، والترويج لتجارب متنوعة تشمل السياحة الثقافية، الشاطئية، الجبلية، وسياحة المدن، عبر محتوى بصري جذاب يتماشى مع أنماط الاستهلاك الرقمي الحديثة.
وبينما يعكس هذا التحول رغبة في مواكبة تطور أدوات التسويق السياحي عالميا، يبقى نجاح الرهان مرهونا بمدى قدرة ONMT على تحقيق توازن بين الابتكار الرقمي، والحكامة الجيدة، وقياس الأثر الحقيقي للحملات، حتى لا يتحول التسويق عبر المؤثرين من أداة استراتيجية إلى مجرد واجهة تواصلية محدودة الأثر.

ويظل السؤال المطروح في الأوساط المهنية: هل سينجح هذا الخيار في تحويل المشاهدات والإعجابات إلى حجوزات فعلية وتدفقات سياحية مستدامة، أم أن الإشهار التقليدي سيظل، رغم تراجعه، عنصرا لا غنى عنه في معادلة الترويج السياحي؟
Leave a comment