تواصل الصناعة السينمائية المغربية تسجيل مؤشرات نمو لافتة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بارتفاع مداخيل شباك التذاكر، وزيادة الإقبال على القاعات السينمائية، إلى جانب تحقيق مستويات قياسية في استقطاب الإنتاجات الأجنبية، في وقت يدعو فيه مهنيون إلى استكمال هذا الزخم بإرساء منظومة اقتصادية متكاملة تضمن استدامة القطاع وتعزز تنافسيته على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وتكشف المعطيات الرسمية الصادرة عن المركز السينمائي المغربي أن السنوات الخمس الماضية شهدت أفضل أداء للقطاع منذ خمسة عشر عاماً، بعدما بلغت مداخيل القاعات السينمائية نحو 127.6 مليون درهم، فيما تجاوز عدد المتفرجين 2.18 مليون مشاهد، وهو ما يعكس عودة تدريجية للجمهور إلى دور العرض، واستعادة السينما المغربية جزءا من ديناميتها بعد سنوات من التحديات التي فرضتها جائحة كورونا والتحولات الرقمية.
ويعزو متابعون هذا الأداء إلى الإصلاحات التي عرفها القطاع، وفي مقدمتها اعتماد الإطار القانوني الجديد المنظم للصناعة السينمائية، والذي يهدف إلى تطوير منظومة الإنتاج، وتعزيز حضور الأفلام المغربية داخل القاعات، وتشجيع الاستثمار في مختلف حلقات الصناعة السينمائية، من كتابة السيناريو إلى التوزيع والعرض.
وفي المقابل، واصل المغرب ترسيخ مكانته كواحد من أبرز مراكز تصوير الإنتاجات السينمائية العالمية، بعدما استقطب خلال الفترة نفسها استثمارات أجنبية قاربت 1.5 مليار درهم، وهو أعلى رقم يسجله القطاع إلى اليوم. وأسهمت هذه الإنتاجات في خلق آلاف فرص العمل لفائدة التقنيين والفنانين والمهنيين، فضلاً عن تنشيط قطاعات موازية، من بينها السياحة والفندقة والنقل والخدمات، خاصة في مدن مثل ورزازات ومراكش والدار البيضاء.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يرى مهنيون أن الصناعة السينمائية المغربية ما تزال تواجه تحديات هيكلية تحد من قدرتها على تحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي. وفي هذا السياق، أكد رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام، حسين حنين، أن القطاع يحتاج إلى الانتقال من منطق تمويل الأفلام بشكل منفرد إلى بناء نموذج اقتصادي متكامل يضمن استمرارية شركات الإنتاج، ويمكنها من التخطيط على المدى المتوسط والبعيد.
وأوضح أن الاعتماد شبه الكامل على نتائج لجان الدعم يجعل نشاط عدد كبير من شركات الإنتاج موسميا، إذ تبدأ العمل مع انطلاق التصوير ثم تتوقف بانتهائه، في حين أن الصناعة السينمائية الحديثة تقوم على برامج إنتاج متعددة السنوات، تسمح بالاستثمار في تطوير السيناريوهات، وتكوين الكفاءات، واقتناء التجهيزات، ودراسة الأسواق، وتسويق الأعمال داخل المغرب وخارجه.
كما دعا إلى تطوير آليات تمويل أكثر مرونة، من بينها إحداث صناديق لضمان القروض البنكية الموجهة للإنتاج السينمائي، واعتماد تحفيزات ضريبية ومالية مرتبطة بحجم الاستثمار والإنتاج والتصدير، بما يضمن توازناً أكبر بين المنتج الوطني والإنتاجات الأجنبية المستفيدة من آليات استرجاع النفقات.
وفي ما يتعلق بالتحول الرقمي، اعتبر رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام أن المنصات العالمية، مثل نتفليكس وشاهد، فتحت آفاقاً جديدة أمام السينما المغربية للوصول إلى جمهور دولي واسع، وساهمت في توسيع فرص توزيع الإنتاجات الوطنية خارج القاعات التقليدية.
غير أنه شدد على ضرورة حماية حقوق المنتجين المغاربة، من خلال وضع نماذج تعاقدية أكثر توازناً تضمن الحفاظ على الملكية الفكرية للأعمال، والشفافية في بيانات المشاهدة، وعدم فرض شروط قد تؤثر على الهوية الثقافية واللغوية للإنتاج المغربي.
ويرى مهنيون أن المرحلة المقبلة تفرض مواصلة تحديث المنظومة السينمائية المغربية، عبر الاستثمار في التكوين، وتشجيع الابتكار، وتوسيع شبكات التوزيع، وتعزيز التعاون مع المنصات الدولية، بما يمكن السينما المغربية من ترسيخ حضورها في الأسواق العالمية، وتحويل النجاح الفني والإنتاجي إلى صناعة ثقافية واقتصادية مستدامة قادرة على المنافسة إقليميا ودوليا.
Leave a comment