بعد ثلاث سنوات من النمو القياسي، بدأت السياحة في شمال إفريقيا تفقد شيئا من زخمها، مع تباطؤ واضح في أعداد الوافدين خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026. فقد استقبل المغرب ومصر وتونس نحو 34 مليون سائح إلى غاية نهاية غشت، مقابل 33.5 مليون خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة لم تتجاوز 1.61%.
ويعكس هذا الرقم تراجعا كبيرا في وتيرة النمو مقارنة بالعام الماضي، حين ارتفع عدد الوافدين بنحو 15% على أساس سنوي. ويأتي التباطؤ في سياق دولي صعب، يتسم بضعف نمو السياحة العالمية، وارتفاع تكاليف النقل الجوي، واستمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
المغرب يحافظ على ديناميته
يظل المغرب الاستثناء الأبرز في المنطقة، بعدما واصل تسجيل نمو في عدد الوافدين، وإن بوتيرة أبطأ من العام الماضي. فقد بلغ عدد السياح الوافدين إلى المملكة 14.1 مليون سائح بنهاية غشت 2026، بزيادة قدرها 4.5% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، أي نحو 608 آلاف سائح إضافي.
وفي غشت وحده، تجاوز عدد الوافدين حاجز مليوني سائح للمرة الأولى، مسجلا نموا بنسبة 3% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
وترى وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، أن دينامية السياحة المغربية تستند إلى “أسس متينة”، معتبرة أن خارطة الطريق للفترة 2023-2026 بدأت تحقق نتائج على مستوى أعداد الزوار والأثر الاقتصادي والاجتماعي للقطاع.
ويستفيد المغرب من تنوع عرضه السياحي، وقربه من الأسواق الأوروبية، إضافة إلى تطور الربط الجوي. فقد استقبلت المطارات المغربية 22.3 مليون مسافر خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة، بزيادة بلغت 8.8%.
وبلغت مداخيل السياحة 79 مليار درهم بنهاية يوليوز، بارتفاع قدره 13.4% على أساس سنوي، فيما بلغ متوسط إنفاق السائح نحو 6810 دراهم، أي حوالي 720 دولارا.
وبهذه النتائج، وسع المغرب الفارق مع مصر، التي سجلت نحو 12.8 مليون وافد إلى غاية نهاية غشت، ليعزز موقعه كإحدى أبرز الوجهات السياحية في القارة الإفريقية.
وتشير التوقعات إلى إمكانية وصول عدد السياح الوافدين إلى المغرب إلى نحو 21 مليون سائح خلال 2026، مقابل 19.8 مليون في 2025. غير أن بلوغ هدف 22 مليون سائح، الذي أعلن في وقت سابق، يبدو أكثر صعوبة في ظل تباطؤ وتيرة النمو خلال النصف الثاني من السنة.
تونس.. استقرار هش رغم ارتفاع المداخيل
على الجانب الآخر، سجلت تونس تراجعا طفيفا في أعداد الوافدين بنسبة 0.2% إلى نهاية غشت، ليصل عددهم إلى نحو 7.1 مليون سائح.
وبعد تسجيل زيادة بلغت 2.6% في يوليوز، لم يواصل موسم الصيف الاتجاه نفسه، في ظل تحديات اقتصادية ومناخية وبنيوية أثرت على أداء القطاع.
وأكد المدير العام للديوان الوطني التونسي للسياحة، محمد المهدي الحلوي، أن وضع الوافدين خلال 2026 ظل مستقرا نسبيا، مشيرا إلى تسجيل نمو تراوح بين 3 و4% منذ بداية السنة، فيما ساهم السياح الجزائريون بشكل كبير في دعم النشاط، بعدما ارتفع عدد الوافدين منهم بنسبة 8.4% بين يناير و10 غشت.
وفي المقابل، لا تزال تونس تواجه تحديات مرتبطة بالربط الجوي، إذ يتركز الاتصال الجوي القوي أساسا على السوق الفرنسية، بينما يظل الربط مع عدد من الأسواق الأخرى أقل تطورا.
كما يظل اعتماد الوجهة التونسية الكبير على السياحة الشاطئية أحد أبرز التحديات الهيكلية أمام القطاع. ويطرح ذلك الحاجة إلى تطوير أنماط أخرى، من بينها السياحة الثقافية والصحراوية وسياحة الغولف، بما يسمح بتنويع مصادر الطلب ورفع المداخيل وإطالة مدة إقامة الزوار.
وبلغت مداخيل السياحة التونسية نحو 5.13 مليار دينار بنهاية غشت، بزيادة بلغت 5.96%.
وفي ظل الأداء المسجل خلال موسم الصيف، تبدو مهمة بلوغ هدف 12 مليون سائح خلال 2026 أكثر صعوبة.
مصر.. تأثير مباشر للتوترات في الشرق الأوسط
أما مصر، فقد كانت الأكثر تأثرا بتداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بحكم موقعها الجغرافي وقرب عدد من أسواقها السياحية من منطقة الصراع.
وبدأت السنة بأداء قوي، إذ ارتفع عدد الوافدين بنسبة 43.5% خلال الربع الأول، ليصل إلى 5.6 مليون سائح بنهاية مارس. غير أن التطورات الجيوسياسية اللاحقة انعكست على حركة السفر، خصوصا مع تعليق عدد من الرحلات الجوية من دول الخليج لأسابيع.
وبلغ عدد السياح الوافدين إلى مصر نحو 12.8 مليون سائح بين يناير ونهاية غشت، وهو مستوى يقارب المسجل خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وفقا للمعطيات الرسمية المعلنة.
وتستفيد مصر من تنوع كبير في منتجاتها السياحية، من المواقع الأثرية والثقافية إلى منتجعات البحر الأحمر وشرم الشيخ والرحلات النيلية. كما شكل افتتاح المتحف المصري الكبير في نونبر 2025 إضافة جديدة إلى العرض السياحي المصري.
واستقبل المتحف نحو 3.5 مليون زائر إلى نهاية غشت 2026، مع توقعات باستقبال نحو 5 ملايين زائر خلال عامه الأول، وهو ما قد يساهم في رفع عدد الليالي السياحية ومتوسط مدة الإقامة.
وسجلت السوق الفرنسية بدورها أداء لافتا، مع ارتفاع عدد السياح الفرنسيين بنسبة 17% بين يناير وغشت، في وقت استفادت فيه مصر من تحسن الربط الجوي وزيادة رحلات الطيران العارض نحو عدد من الوجهات السياحية.
وبلغت مداخيل السياحة المصرية نحو 8 مليارات دولار بنهاية يونيو، من حوالي 8 ملايين سائح، بمتوسط إنفاق يقدر بنحو 890 دولارا للزائر.
وتبقي السلطات المصرية على هدف استقبال 20 مليون سائح خلال عام 2026، غير أن تحقيقه سيظل مرتبطا بتطورات الوضع الجيوسياسي وحركة السفر الدولية خلال الأشهر المتبقية من السنة.
تباطؤ إقليمي في ظل ظروف دولية صعبة
يعكس أداء الدول الثلاث تحولا في مسار السياحة بشمال إفريقيا بعد سنوات من الانتعاش القوي الذي أعقب جائحة كوفيد-19. فقد بلغ نمو السياحة العالمية 0.4% خلال النصف الأول من 2026، وفقا لباروميتر السياحة التابع للأمم المتحدة، وهو معدل أقل بكثير من معدلات النمو التي سجلها القطاع خلال مرحلة التعافي.
وزادت التوترات في الشرق الأوسط من الضغوط على حركة السفر، كما ساهم ارتفاع أسعار وقود الطائرات في زيادة تكلفة الرحلات، خصوصا على المسافات الطويلة، وهو ما انعكس على أسعار التذاكر وميزانيات المسافرين.
كما أدت الضغوط التضخمية إلى تراجع القدرة الشرائية في عدد من الأسواق، ما دفع بعض الأسر إلى تقليص الإنفاق على السفر والترفيه.
وبينما تواجه دول المنطقة الظروف الخارجية نفسها بدرجات متفاوتة، أظهرت الأرقام إلى نهاية غشت تفاوتا واضحا في قدرتها على الحفاظ على النمو. فالمغرب واصل تسجيل زيادة في أعداد الوافدين، في حين اقترب أداء مصر وتونس من الاستقرار.
ويؤكد هذا التطور أن المرحلة المقبلة لن تعتمد فقط على استقطاب أعداد أكبر من السياح، بل أيضا على تنويع الأسواق والمنتجات السياحية، وتحسين الربط الجوي، ورفع الإنفاق السياحي، بما يسمح للقطاع بمواجهة تقلبات الاقتصاد العالمي والتوترات الجيوسياسية.
Leave a comment