وأثرت الاضطرابات، التي شملت مدنا رئيسية من بينها باريس وليون ومرسيليا ونيس وبوردو، على وتيرة الانتعاش السياحي الذي كانت تعرفه البلاد مع بداية أكتوبر، بعدما سجلت مؤسسات الإيواء ارتفاعا بنسبة 3 في المائة في معدلات الإشغال قبل اندلاع الأحداث، لتدخل السوق لاحقا مرحلة من التردد وإلغاء الحجوزات، خاصة الرحلات التي يجري تنظيمها في اللحظات الأخيرة.
وبحسب معطيات أوردتها صحيفة “اندبندنت عربية”، نقلا عن مهنيين ومختصين في القطاع، بلغت الخسائر الاقتصادية المباشرة الناجمة عن أعمال العنف في المناطق الحضرية نحو 100 مليون يورو في 17 أكتوبر وحده، وفق تقديرات ديدييه أرينو، المدير العام لشركة “بروتوريزم“.
وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الخسائر التي طالت القطاع السياحي والمتاجر وسط المدن وصل إلى مئات الملايين من اليوروهات، مع تحذيرات من إمكانية ارتفاع خسائر الإيرادات إلى 1.5 مليار يورو خلال عطلة نهاية أسبوع واحدة، في حال استمرار التوترات إلى فترة احتفالات نهاية السنة، التي تعد من المحطات المهمة للنشاط السياحي والتجاري في فرنسا.
ولم تقتصر تداعيات هذه الأحداث على تراجع الحجوزات والمداخيل، بل امتدت إلى الأضرار المادية التي لحقت بعدد من الفنادق والمطاعم، خصوصا في ما يتعلق بواجهاتها الزجاجية ومداخلها، في وقت يواجه فيه أصحاب المؤسسات صعوبات إضافية بسبب محدودية التعويضات والتغطية التأمينية، التي لا تشمل بالضرورة الخسائر الناتجة عن تراجع النشاط وضياع الأرباح.
وفي هذا السياق، سجلت حجوزات الرحلات انخفاضا بنسبة 12.5 في المائة خلال عطلة عيد جميع القديسين، بينما كشفت رئيسة منظمة “فرانس دي إم سي ألاينس“، باتريسيا لينو، عن تراجع حجم أعمال المهنيين المنضوين تحت المنظمة بنسبة 30 في المائة خلال يوم السبت الذي أعقب الأحداث.
كما انعكست حالة عدم اليقين على الأسواق السياحية الدولية، إذ أبدى منظمو الرحلات الأميركيون تحفظات متزايدة بشأن تنظيم رحلات إلى فرنسا، في حين أصدرت ماليزيا وتايلاند توصيات لمواطنيهما تدعو إلى توخي الحذر أو تأجيل الرحلات غير الضرورية نحو البلاد.
وعلى المستوى التجاري، أظهرت المؤشرات تراجع النشاط بنسبة 20 في المائة بباريس، وأكثر من 40 في المائة في كل من ليل وبوردو، خلال يوم السبت 24 أكتوبر، مقارنة بالأيام العادية، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي خلفته الاضطرابات على حركة الزوار والإنفاق السياحي.
كما بدأت ملامح تحول في سلوك بعض السياح الأجانب تبرز، من خلال تقليص مدة الإقامة في باريس إلى يوم أو يومين، للاكتفاء بزيارة أبرز المعالم السياحية، قبل التوجه نحو مناطق أخرى أكثر هدوءا، من قبيل بورغونيا ووادي الرون والريفييرا الفرنسية.
ولا تقتصر المخاوف على الخسائر المسجلة خلال الفترة الحالية، إذ يحذر مختصون من أن التأثير الأكبر قد يظهر خلال المواسم المقبلة، بالنظر إلى أن معدلات الإشغال الحالية تستفيد جزئيا من حجوزات جرى تأكيدها وأداؤها قبل أسابيع أو أشهر، في حين بدأت الحجوزات الجديدة تعرف تباطؤا ملحوظا قد ينعكس على أداء القطاع خلال سنتي 2027 و2028.
وفي هذا الإطار، يرى المحلل جمال بن جميع أن تكرار الاضطرابات من شأنه أن يؤثر على ثقة السياح الدوليين في الوجهة الفرنسية، خاصة أن التجربة السياحية لا ترتبط فقط بجودة الفنادق والخدمات، بل تشمل أيضا الإحساس بالأمن وسهولة التنقل وإمكانية زيارة المعالم والمواقع السياحية دون عراقيل.
وتتجاوز تداعيات تراجع الإقبال المؤسسات الفندقية المتضررة، لتشمل سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة، من المطاعم والنقل إلى الجولات السياحية والتسوق، بما يجعل فقدان ليلة مبيت واحدة مؤثرا في حجم الإنفاق الذي يضخه الزائر داخل الوجهة.
وأمام هذه التحديات، يبرز الحفاظ على صورة فرنسا كوجهة سياحية دولية من بين أبرز الرهانات المطروحة أمام السلطات والمهنيين، من خلال تأمين مسارات التنقل، وضمان استمرار فتح المواقع السياحية، وتوفير معلومات موثوقة لمنظمي الرحلات، إلى جانب دعم المؤسسات المتضررة، تفاديا لتحول الاضطرابات الظرفية إلى عامل يؤثر على تنافسية الوجهة الفرنسية على المدى المتوسط.
Leave a comment