تتجه تازة إلى استثمار مؤهلاتها الطبيعية والثقافية لفرض مكانتها ضمن الخريطة السياحية المغربية، في إطار رؤية تروم توسيع قاعدة الوجهات الوطنية والاستعداد لاستحقاق 2030، بما يضمن استفادة مختلف المجالات الترابية من الدينامية السياحية والاستثمارية التي يشهدها المغرب.
ويأتي هذا التوجه في سياق انعقاد الدورة الثانية من مهرجان “الذاكرة والفنون الحية”، الذي انطلقت فعالياته يوم الجمعة الماضي تحت شعار “تازة 2030: تازة تجدد نفسها”، بهدف تثمين التراث المحلي وإطلاق دينامية تنموية ترتكز على الثقافة والفنون والابتكار.
وفي هذا الإطار، سلطت الشركة المغربية للهندسة السياحية (SMIT) الضوء على الإمكانات التي يزخر بها الإقليم، مؤكدة أهمية الانتقال من مرحلة استعراض المؤهلات الطبيعية والثقافية إلى بلورة مشاريع اقتصادية واستثمارات منتجة قادرة على إحداث فرص شغل مستدامة.

تازة.. وجهة واعدة لتنويع العرض السياحي المغربي
تتوفر تازة على مقومات طبيعية وثقافية متنوعة، تشمل المناظر الجبلية والغابات والمغارات، إلى جانب التقاليد المحلية وغنى المنتجات المجالية والموروث الثقافي، وهي عناصر تتيح إمكانية تطوير عرض سياحي متميز يستجيب لتطلعات شرائح مختلفة من الزوار.
وتبرز مغارة فريواطو، والمناظر الطبيعية المحيطة بها، ضمن أبرز المؤهلات التي يمكن الاستناد إليها لتطوير أنماط سياحية متنوعة، من بينها السياحة الإيكولوجية، والمشي الجبلي، والسياحة الاستكشافية، والإقامة وسط الطبيعة، فضلاً عن التجارب القروية وتثمين الصناعة التقليدية والمنتجات المحلية.
غير أن تحويل هذه المؤهلات إلى عرض سياحي متكامل يقتضي، بحسب التوجه الذي تطرحه الشركة المغربية للهندسة السياحية، توفير شروط الاستقبال والتنقل، وتطوير خدمات الإيواء، وتصميم تجارب سياحية قادرة على استقطاب الزوار وتشجيعهم على تمديد مدة إقامتهم.
كما يتطلب الأمر الربط بين المواقع السياحية وإحداث مسارات متكاملة، بما يتيح إدماج تازة ضمن التدفقات السياحية الجهوية والوطنية، ويمنحها موقعاً أكثر وضوحاً داخل العرض السياحي المغربي.
الهندسة السياحية لجذب المستثمرين وتحويل المؤهلات إلى مشاريع
لا يقتصر الرهان على إبراز جاذبية تازة الطبيعية، بل يمتد إلى تهيئة فرص الاستثمار وتطوير مشاريع قابلة للتنفيذ، تشمل وحدات الإيواء السياحي ذات الحجم الملائم، والأنشطة الترفيهية، وتجارب اكتشاف الطبيعة، والمبادرات الرامية إلى تثمين التراث المحلي.
وفي هذا السياق، تبرز الرقمنة باعتبارها إحدى الآليات التي يمكن أن تسهم في التعريف بفرص الاستثمار السياحي على المستوى الترابي، إذ تتيح المنصات الرقمية التابعة للشركة المغربية للهندسة السياحية إبراز هذه الفرص وتحديد مواقعها الجغرافية، فضلاً عن تسهيل التواصل بين حاملي المشاريع والمستثمرين.
ويهدف هذا التوجه إلى تقليص الفجوة بين المجالات التي تتوفر على مؤهلات سياحية واعدة، وتلك التي نجحت في تحويل إمكاناتها إلى مشاريع واضحة وجاذبة للاستثمار.
وتقوم المقاربة المطروحة على تهيئة الظروف الملائمة لاستقطاب الاستثمار الخاص، من خلال توفير المعلومات والمواكبة والخبرة التقنية اللازمة، بدلاً من الاقتصار على تدخل القطاع العام في إنجاز المشاريع.
المقاولات المحلية والشباب في صلب التنمية السياحية
يرتبط نجاح التنمية السياحية في تازة بقدرتها على إحداث قيمة اقتصادية يستفيد منها السكان المحليون، وليس فقط المؤسسات الفندقية ومرافق الإيواء.

ويشمل ذلك دعم المقاولات السياحية الصغيرة والمتوسطة، ومواكبة الشباب حاملي المشاريع، وتشجيع ريادة الأعمال النسائية، إلى جانب إدماج التعاونيات والمنتجين المحليين ضمن سلاسل القيمة المرتبطة بالنشاط السياحي.
ومن شأن هذا التوجه أن يفتح آفاقا اقتصادية أمام المرشدين السياحيين والمطاعم والحرفيين والناقلين والمنتجين الفلاحيين، فضلاً عن مختلف الخدمات التي تسهم في تحسين تجربة الزوار.
كما تندرج برامج مواكبة ريادة الأعمال السياحية، ومن بينها برنامج “مقاولة سياحية” (Moukawala Siyahia)، ضمن الآليات الهادفة إلى مساعدة حاملي المشاريع على تطوير أفكارهم وتحويلها إلى أنشطة اقتصادية قابلة للاستمرار.
وتراهن هذه المقاربة على بناء منظومة سياحية محلية متكاملة، تتيح توزيعا أوسع للعائدات، وتدعم إحداث فرص شغل مستدامة، وتمنح الساكنة المحلية دوراً أكبر في الاستفادة من مؤهلات مجالها الترابي.
أفق 2030.. تنمية تتجاوز الاستحقاقات الظرفية
يمثل أفق 2030 فرصة أمام المغرب لتحديث عرضه السياحي وتعزيز تنافسيته الدولية وتوسيع دائرة الاستثمارات، غير أن التحدي بالنسبة إلى تازة يتمثل في تحويل هذه الدينامية إلى تنمية مستمرة تتجاوز حدود الاستحقاقات الدولية والمناسبات الكبرى.
ويقتضي ذلك تطوير عرض سياحي قادر على استقطاب الزوار قبل سنة 2030 وخلالها وبعدها، بالاعتماد على جودة الخدمات، وتنوع التجارب، واستدامة المشاريع، والحفاظ على الخصوصيات الطبيعية والثقافية للمنطقة.
كما تستدعي هذه الرؤية تنسيق الجهود بين السلطات الترابية والجماعات المحلية والفاعلين الاقتصاديين والمستثمرين والمؤسسات الوطنية، بما يضمن انسجام المشاريع وتكاملها مع حاجيات الإقليم وإمكاناته.
وتبرز الشركة المغربية للهندسة السياحية، في هذا الإطار، باعتبارها فاعلاً يمكنه المساهمة بخبرته في تحديد المشاريع ذات الأولوية، وهيكلة فرص الاستثمار، وتقريب حاملي المشاريع من الشركاء الماليين والتقنيين.
ومن المنتظر أن يرتبط تقييم نجاح هذه الدينامية بمؤشرات عملية، من قبيل حجم الاستثمارات المنجزة فعلياً، وعدد المقاولات المحدثة، وفرص الشغل المستدامة، ومدة إقامة السياح، وحجم الإنفاق السياحي المحلي، ومدى الحفاظ على الموارد الطبيعية.
يتجاوز مشروع “تازة 2030” حدود تطوير وجهة سياحية جديدة، ليطرح سؤالاً أوسع يتعلق بكيفية توزيع فرص الاستثمار والتنمية بين مختلف مناطق المملكة، بما يتيح توسيع قاعدة الوجهات السياحية وتقليص الفوارق المجالية.
ويقوم هذا التوجه على إمكانية الجمع بين التنافسية الدولية والتماسك الترابي، من خلال جعل حماية الموروث الطبيعي والثقافي رافعة اقتصادية، وتوجيه الاستثمارات نحو مجالات قادرة على خلق فرص جديدة للسكان المحليين.

وبهذا المنظور، لن يقاس نجاح تازة في أفق 2030 بعدد السياح الذين تستقبلهم أو بحجم طاقتها الإيوائية فقط، بل بقدرتها على تحويل مؤهلاتها إلى ثروة محلية، ومشاريع اقتصادية منتجة، ومناصب شغل دائمة.
وتبرز التجربة المرتقبة لتازة أهمية الانتقال نحو نموذج سياحي لا تقتصر ثماره على الوجهات التقليدية، بل يفتح المجال أمام بروز وجهات جديدة تستند إلى خصوصياتها المحلية وتساهم في بناء مغرب سياحي أكثر توازنا وشمولا واستدامة.
Leave a comment