لم تعد السياحة الحديثة تقتصر على زيارة المعالم التاريخية أو الاستمتاع بالشواطئ والمناظر الطبيعية، بل ظهرت في السنوات الأخيرة أنماط جديدة من السفر تركز على التجارب اليومية التي تعكس هوية المجتمعات المحلية. ومن أبرز هذه الاتجاهات ما يعرف بـ”سياحة السوبرماركت“، التي أصبحت تستقطب عدداً متزايداً من المسافرين الراغبين في استكشاف ثقافة البلدان من خلال زيارة متاجرها الكبرى ومحلاتها الغذائية.
ويقوم هذا المفهوم، المعروف عالميا باسم Grocery Store Tourism، على اعتبار السوبرماركت فضاء. يعكس أسلوب الحياة المحلي، إذ يتيح للزوار التعرف على العادات الغذائية، والمنتجات التقليدية، والعلامات التجارية المحلية، فضلاً عن طرق الاستهلاك التي تميز كل بلد عن غيره.
وبحسب تقرير حول اتجاهات السفر أعدته مجموعة هيلتون ونقلته مجلة “كوندي ناست ترافيلر” الأمريكية، فإن نحو 77 في المائة من المسافرين يحرصون على زيارة متجر محلي واحد على الأقل أثناء رحلاتهم، معتبرين أن هذه التجربة تمنحهم فرصة لاكتشاف تفاصيل الحياة اليومية للسكان بطريقة يصعب العثور عليها في البرامج السياحية التقليدية.
ويؤكد متابعون لهذا النوع من السياحة أن المتاجر الكبرى تقدم صورة حقيقية عن المجتمع، من خلال تنوع المنتجات الغذائية، وأساليب عرضها، وأنماط التسوق، وحتى الأسعار والعلامات التجارية الأكثر انتشاراً، وهو ما يجعلها جزءاً من التجربة الثقافية للوجهة السياحية.

كما أصبحت زيارة السوبرماركت فرصة لتذوق منتجات محلية يصعب العثور عليها خارج البلد، حيث يحرص كثير من المسافرين على اقتناء مواد غذائية تقليدية مثل الجبن، والصلصات، والتوابل، والحلويات، والمعكرونة المصنوعة يدوياً، إلى جانب المنتجات التي تعكس خصوصية كل منطقة، لتكون هدايا أو تذكارات تحمل طابعا محليا.
وساهمت منصات التواصل الاجتماعي في انتشار هذا الاتجاه بشكل واسع، بعدما تحولت جولات المتاجر وتجارب تذوق المنتجات الجديدة إلى محتوى يحظى بملايين المشاهدات على منصات مثل “تيك توك” و”يوتيوب”، حيث يتبادل صناع المحتوى توصياتهم حول أفضل المنتجات المحلية وأكثرها تميزاً في مختلف الوجهات السياحية.
ظاهرة سياحية عالمية جديدة.. المتاجر الكبرى تتحول إلى وجهات للمسافرين
وأدى هذا الإقبال المتزايد إلى دفع عدد من العلامات التجارية والمتاجر إلى تطوير عروض تستهدف الزوار، عبر تخصيص أركان للمنتجات المحلية، وإطلاق عبوات بتصاميم مستوحاة من هوية المدن والمناطق السياحية، بما يعزز جاذبية تجربة التسوق لدى السياح.
ويرى مختصون في القطاع السياحي أن هذا النمط يعكس التحول الذي يشهده سلوك المسافرين، حيث أصبحت التجارب الأصيلة واليومية تحظى باهتمام أكبر من الأنشطة التقليدية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف السفر والبحث عن أنشطة منخفضة التكلفة تضيف قيمة ثقافية للرحلة.

وبذلك، لم يعد السوبرماركت مجرد مكان للتسوق، بل تحول إلى محطة سياحية غير تقليدية تتيح للزائر التعرف على ثقافة الوجهة من منظور مختلف، ليصبح بالنسبة إلى كثير من المسافرين جزءاً أساسياً من برنامج الرحلة، تماماً كما هو الحال مع زيارة المتاحف أو الأسواق التاريخية والمعالم الشهيرة.
Leave a comment