يقال أن الأنهار والوديان لا تنسى مساراتها القديمة، فأمطار ساعة أو أقل قادرة على نسف قرى ومدن عن بكرة أبيها دون استثناء، وذلك ناجم عن الأمطار الرعدية الصيفية التي تتساقط بغزارة غير معهودة، ترفع منسوب المياه سريعا، لتغطي الأنهار والوديان مساحات كبيرة كانت قد انحسرت عنها لسنوات.
في تلك اللحظة، يتغير المشهد من يوم صيفي جميل و هادئ إلى حدث طارئ ومأساوي، كما لو كانت الطبيعة تقتنص الفرصة لتنتفض على حين غرة من المصطافين وزوار الوادي، الذين وإن أعجبتهم تساقطات الأمطار صيفا لما تضيفه من طراوة على المكان خاصة في سفوح الأطلس الكبير، فإنها تتحول في لحظات قليلة إلى مصدر خطر حقيقي يهدد الزوار والسكان على حد سواء، خاصة بالمناطق الجبلية المحيطة بمدينة مراكش، التي تشهد خلال فصل الصيف عواصف رعدية محلية قادرة على التسبب في فيضانات فجائية وعنيفة داخل الأودية والشعاب.
وتعد منطقة أوريكا، الواقعة على بعد نحو 35 كيلومترا جنوب مراكش، من أبرز الوجهات السياحية الطبيعية بالمغرب، حيث تستقطب آلاف الزوار يوميا خلال أشهر الصيف بفضل مناخها المعتدل، وشلالاتها، ومجاريها المائية، ومطاعمها المنتشرة على ضفاف الوادي، غير أن هذه المقومات الطبيعية نفسها تجعلها من أكثر المناطق عرضة لخطر السيول المفاجئة.
وتشهد مرتفعات الأطلس الكبير خلال فصل الصيف تساقطات رعدية قوية في فترات قصيرة، نتيجة التقاء الكتل الهوائية الحارة القادمة من الجنوب بالرطوبة الصاعدة نحو المرتفعات، وهو ما يؤدي إلى هطول أمطار غزيرة فوق القمم الجبلية، قبل أن تتحول مياهها بسرعة إلى سيول جارفة تنحدر عبر الأودية نحو المناطق السياحية والسكنية الواقعة في الأسفل.

ويؤكد مختصون في المناخ أن هذا النوع من الفيضانات يتميز بسرعته الكبيرة وصعوبة التنبؤ بتوقيته على المستوى المحلي، إذ قد يكون الطقس مستقرا ومشمسا في المناطق السياحية، بينما تكون الأمطار الغزيرة قد هطلت على بعد كيلومترات قليلة فوق المرتفعات، لتصل السيول بعد دقائق فقط إلى مجاري الأودية.
ولا تزال فاجعة أوريكا في غشت 1995 حاضرة في الذاكرة الجماعية للمغاربة، بعدما شهد الوادي فيضانات مفاجئة وعنيفة خلفت عشرات الضحايا وخسائر مادية جسيمة، إثر أمطار رعدية غزيرة هطلت على مرتفعات الأطلس. وشكلت تلك الكارثة واحدة من أسوأ الفيضانات التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، وأبرزت حجم المخاطر التي يمكن أن تنجم عن التقلبات الجوية الصيفية في المناطق الجبلية.

ومنذ ذلك الحين، عززت السلطات المغربية منظومة اليقظة والتدخل، من خلال تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين مراقبة الأحوال الجوية، وإطلاق حملات توعية لفائدة السكان والزوار، خاصة خلال فترات التقلبات المناخية.

ويرى مهنيون في القطاع السياحي أن الحفاظ على جاذبية الوجهات الجبلية يمر أيضاً عبر ترسيخ ثقافة السلامة والوقاية، من خلال احترام التحذيرات الجوية، وتجنب الجلوس داخل مجاري الأودية أو بالقرب منها عند صدور نشرات إنذارية، إضافة إلى تعزيز التشوير بالمناطق الأكثر عرضة للفيضانات، وتوفير مسارات آمنة للزوار.
وتواصل منطقة أوريكا الحفاظ على مكانتها كواحدة من أشهر الوجهات الطبيعية بالمغرب، بفضل مناظرها الخلابة وقربها من مدينة مراكش، غير أن الخبراء يؤكدون أن الاستمتاع بسحر الطبيعة الجبلية يظل رهينا بالوعي بالمخاطر الطبيعية التي قد ترافق العواصف الرعدية الصيفية، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي باتت تزيد من حدة الظواهر الجوية القصوى وتكرارها.
وتبرز التجارب الدولية أن تطوير السياحة الجبلية المستدامة لا يقتصر على تحسين البنيات التحتية والخدمات، بل يشمل أيضاً الاستثمار في أنظمة الرصد والإنذار، وتعزيز ثقافة الوقاية لدى الزوار، بما يضمن التوفيق بين استثمار المؤهلات الطبيعية وحماية الأرواح والممتلكات من مخاطر الفيضانات المفاجئة.


Leave a comment