أكد الخبير الاقتصادي أمين سامي، في تصريح لموقع القناة الثانية، أن ارتفاع الناتج السياحي بنحو 38,4% خلال خمس سنوات لا يمكن قراءته بمعزل عن الارتفاع الموازي في الاستهلاك السياحي، الذي تجاوز 201 مليار درهم.
واعتبر أن هذه الأرقام تعكس تنامياً قوياً في السياحة الوافدة، التي سجلت نمواً فاق 46% في الفترة نفسها.
وأوضح سامي أن هذا التطور لا يقتصر على ارتفاع عدد المسافرين فقط، بل يشمل أيضاً تحسناً في خلق القيمة المضافة داخل القطاع، ما يجعل السياحة اليوم صناعة قائمة الذات وليست مجرد نشاط موسمي مرتبط بالخدمات. كما أبرز أن هذه الدينامية الاقتصادية متداخلة مع تحولات اجتماعية وترابية، إذ أسهمت السياحة في تنشيط قطاعات أخرى مثل الضيافة والنقل والخدمات الثقافية، ما منحها وزناً أكبر داخل الدورة الاقتصادية الوطنية.
ورغم المؤشرات الإيجابية، شدد الخبير على وجود “هشاشة بنيوية” ناتجة عن الاعتماد الكبير على الطلب السياحي الخارجي، وهو ما يجعل القطاع حساساً للتقلبات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، بما في ذلك الاضطرابات الأمنية وتقلبات أسعار الطاقة والأزمات الصحية التي قد تؤثر على تدفقات السياح.
وأكد أن المغرب بحاجة إلى تحويل هذه القوة الظرفية إلى منظومة متوازنة ومحصنة من الصدمات الخارجية، عبر تقوية السياحة الداخلية وتنويع الأسواق المصدرة للسياح، بهدف بناء قطاع قادر على الاستدامة والاستمرارية، قائم على مزيج متوازن من الطلب الداخلي والخارجي.
وفي السياق ذاته، دعا سامي إلى تعزيز السياحة الداخلية من خلال برامج موجهة أساساً للطبقة الوسطى، بما يخلق طلباً مستقراً وغير مرتبط بالتقلبات الخارجية. كما شدد على ضرورة الانفتاح على أسواق جديدة مثل أمريكا الشمالية وإفريقيا وآسيا، وتقليص الاعتماد على الأسواق الأوروبية التقليدية، مؤكداً أن ذلك يتطلب تطوير العروض السياحية وأساليب الترويج وتوسيع شبكات الربط الجوي. واقترح تخصيص جزء من الضرائب السياحية لإنشاء صندوق استثمار ترابي يعنى بتطوير البنيات التحتية المحلية وتحسين جودة العرض السياحي وتعزيز تنافسية الوجهات الجهوية، بما يشمل التهيئة الحضرية والخدمات الثقافية والبيئية.
وأضاف الخبير أن إصلاح القطاع يستوجب أيضاً إحداث حساب سياحي جهوي لقياس القيمة المضافة حسب الجهات، ما سيساهم في توجيه الاستثمارات بناءً على خصوصيات كل منطقة ومردوديتها الفعلية. كما دعا إلى تسريع الانتقال نحو السياحة الخضراء والرقمية لمواكبة المعايير الدولية، من خلال إدماج حلول الاستدامة، وتحديث آليات الحجز، وتطوير البيانات السياحية، وربط القطاع بالاقتصاد الطاقي والإبداعي. وأكد أن هذه التحولات لم تعد خياراً ثانوياً بل أصبحت شرطاً أساسياً لتعزيز تنافسية المغرب خلال السنوات المقبلة.
واختتم أمين سامي تصريحه بالتأكيد على أن المغرب يقف أمام فرصة تاريخية لترسيخ السياحة كقطاع استراتيجي في أفق 2030–2035، شريطة تحويل الزخم الحالي إلى تحول مؤسساتي وترابي مستدام ينقل القطاع من مجرد نشاط سريع النمو إلى رافعة تنموية متوازنة تتقاطع فيها الثقافة والبيئة والاقتصاد الرقمي والفلاحة والصناعة التقليدية.
وختم بالتشديد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق أرقام قياسية، بل في القدرة على تحويل هذه الأرقام إلى مكاسب هيكلية طويلة الأمد تجعل من السياحة جزءاً ثابتاً من القاعدة الإنتاجية الوطنية المنتجة للثروة، في إطار مقاربة تعتمد الاستدامة.
Leave a comment