يشهد قطاع السكك الحديدية بالمغرب خلال السنوات الأخيرة تحولا استراتيجيا لافتا، تجاوز منطق استيراد القطارات الجاهزة نحو بناء قدرات صناعية محلية، في مسار يعزز التنمية الاقتصادية ويمنح دفعة جديدة لجاذبية المدن المغربية، وفي مقدمتها مدينة فاس.
فبعد أن ظلت لعقود محطة عبور رئيسية للمسافرين والسياح، باتت فاس اليوم تبرز كقطب صناعي ناشئ في مجال تصنيع مكونات القطارات، بفضل شراكات استراتيجية مع شركات عالمية رائدة في النقل السككي، ما يعزز مكانتها ضمن خريطة الاستثمار الصناعي المرتبط بالبنية التحتية والسياحة المستدامة.
ويجسد هذا التحول مشروع توسعة مصنع تابع لمجموعة فرنسية كبرى، يُعنى بتصنيع أجزاء أساسية للقطارات، إلى جانب نقل التكنولوجيا والخبرة إلى الكفاءات المغربية. ويشمل المشروع برامج لتكوين مهندسين وتقنيين محليين في تخصصات دقيقة، ما يساهم في خلق فرص شغل نوعية ويواكب تطور منظومة النقل التي تخدم السياحة الداخلية والدولية.
ويعكس هذا المسار الانتقال التدريجي من الاعتماد الكامل على الاستيراد إلى بناء منظومة صناعية محلية قادرة على تلبية جزء من حاجيات السوق الوطنية، مع طموح للتوسع نحو التصدير، خاصة إلى القارة الإفريقية. ورغم أن المغرب لا يصنع قطارات كاملة بعد، فإن تصنيع وتجميع مكونات رئيسية يشكل خطوة محورية نحو استقلال صناعي تدريجي.

وتراهن الخطط المستقبلية على رفع نسبة الإدماج المحلي، بهدف إنتاج قطارات تحمل وسم “صنع في المغرب” قبل نهاية العقد الحالي، مستفيدا من التجارب الرائدة للمملكة في صناعات السيارات والطيران، إلى جانب شبكة سكك حديدية حديثة وبنية لوجستية متطورة تدعم تنقل السياح وتعزز الربط بين المدن التاريخية والوجهات السياحية الكبرى.
وبهذا التحول، لم تعد فاس مجرد نقطة عبور على خريطة السفر، بل أضحت رمزا لتقاطع الصناعة والسياحة، حيث تتجسد طموحات التنمية في مصانع حديثة، ووظائف مستدامة، ونقل تكنولوجي يعزز إشعاع المغرب كوجهة تجمع بين التراث، والتحديث، والبنية التحتية المتقدمة.
Leave a comment