سجلت اليابان رقما قياسيا في عدد المقيمين الأجانب على أراضيها، بعدما بلغ نحو 4.28 ملايين شخص مع نهاية يونيو الماضي، في مؤشر يعكس تنامي اعتماد البلاد على اليد العاملة الأجنبية لمواجهة تداعيات الشيخوخة الديموغرافية وتراجع عدد السكان، وسط تصاعد النقاش السياسي والاجتماعي بشأن تشديد سياسات الهجرة والإقامة.
وأظهرت بيانات وكالة خدمات الهجرة اليابانية أن عدد المقيمين الأجانب ارتفع بنحو 156 ألف شخص مقارنة بنهاية عام 2025، ليشكل حوالي 3.5 في المائة من إجمالي سكان البلاد، وفق تقديرات حكومية. ولا تشمل هذه الأرقام السياح والزوار الذين يقيمون لفترات قصيرة.
نقص اليد العاملة يدفع اليابان إلى الانفتاح على الأجانب
ويأتي هذا الارتفاع في وقت تواجه فيه اليابان تحديات متزايدة على مستوى سوق العمل، بفعل الانخفاض المستمر في عدد السكان وارتفاع نسبة كبار السن، ما يضع قطاعات اقتصادية وخدمية أمام صعوبات متنامية في توفير الموارد البشرية اللازمة.
وفي هذا السياق، أكد خبير شؤون الهجرة توشيهيرو مينجو، الأستاذ الزائر بجامعة كنساي للدراسات الدولية، أن اليابان تعاني نقصاً في اليد العاملة بمختلف مستويات التأهيل، بدءاً من أصحاب المهارات العالية وصولاً إلى العاملين في قطاع الخدمات.
وأوضح مينجو، في تصريح لوكالة فرانس برس، أن تراجع عدد سكان اليابان بأكثر من 900 ألف نسمة سنوياً يجعل الاعتماد على العمالة الأجنبية خيارا يصعب الاستغناء عنه، مشيرا إلى أن الحلول الأخرى، من قبيل توظيف الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتوسيع مشاركة النساء وكبار السن في سوق العمل، لن تكون كافية لسد الفجوة بشكل كامل.
وفي مواجهة هذه التحديات، دعت شركات يابانية الحكومة إلى اعتماد سياسة أكثر شمولاً لدعم المقيمين الأجانب، بما يضمن استقطاب الكفاءات وتوفير اليد العاملة التي تحتاجها مختلف الأنشطة الاقتصادية.
تشديد شروط الإقامة وسط تصاعد الخطاب المناهض للهجرة
في المقابل، يتزايد الجدل بشأن الهجرة داخل اليابان، مع صعود تيارات سياسية تتبنى خطابا أكثر تشددا تجاه الأجانب. وقد دفع هذا المناخ رئيسة الحكومة ساناي تاكايتشي إلى التوجه نحو فرض ضوابط أكثر صرامة على الإقامة.
وشهدت القواعد المرتبطة بالحصول على الإقامة الدائمة تشديداً خلال أكتوبر الجاري، من خلال رفع متطلبات تتعلق بالدخل السنوي ومستوى إتقان اللغة اليابانية، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
وتزامن ذلك مع تنامي حضور حزب «سانسيتو»، المعروف بشعاره «اليابان أولاً» ومواقفه المتشددة من الهجرة، والذي حقق مكاسب انتخابية مهمة في انتخابات مجلس المستشارين، الغرفة العليا للبرلمان الياباني، خلال العام الماضي.
كما ساهم انتشار معلومات مضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بشأن استفادة الأجانب من المساعدات الاجتماعية وتأثير وجودهم على الأمن في الشوارع، في تأجيج النقاش العام حول الهجرة.
تباطؤ نمو أعداد الأجانب يثير تساؤلات بشأن المستقبل
ويرى مينجو أن الإجراءات الجديدة ربما بدأت تنعكس على وتيرة ارتفاع عدد المقيمين الأجانب، إذ لم تتجاوز الزيادة خلال العام الماضي نحو 300 ألف شخص، مقابل حوالي 360 ألفاً خلال العام الذي سبقه.
وحذر الخبير من أن تشديد شروط الحصول على الإقامة الدائمة قد يقلص جاذبية اليابان بالنسبة إلى الراغبين في الاستقرار على المدى الطويل، مضيفاً أن ضعف الين وتراجع القدرة التنافسية للأجور قد يدفعان بعض العمال الأجانب إلى اختيار وجهات أخرى.
ورغم هذه التحولات، توقع مينجو أن يصل عدد المقيمين الأجانب في اليابان إلى نحو 10 ملايين شخص بحلول أربعينيات القرن الحالي، مدفوعاً باستمرار النقص في اليد العاملة واحتياجات الاقتصاد.
تراجع عدد المقيمين بصورة غير قانونية
وفي مؤشر آخر مرتبط بتدبير ملف الهجرة، أعلنت وزارة العدل اليابانية، الجمعة، أن عدد الأجانب الذين تجاوزوا مدة الإقامة المسموح بها بموجب تأشيراتهم انخفض إلى نحو 65 ألف شخص بحلول الأول من يوليوز، بتراجع نسبته 4.8 في المائة مقارنة ببداية العام.
وتكشف هذه المؤشرات عن معادلة معقدة تواجهها اليابان: فمن جهة، تحتاج البلاد إلى استقطاب مزيد من العمالة الأجنبية للحفاظ على نشاطها الاقتصادي ومواجهة التحولات الديموغرافية، ومن جهة أخرى، تتجه قطاعات من الرأي العام والقوى السياسية نحو المطالبة بقيود أكثر صرامة على الهجرة والإقامة.
وبالنسبة إلى السياحة، يظل عدد المقيمين الأجانب مختلفا عن عدد الزوار الدوليين، غير أن سياسات التأشيرات والإقامة، إلى جانب سهولة الاندماج وتنافسية الأجور، تظل عوامل مؤثرة في جاذبية اليابان كوجهة للإقامة والعمل والسفر.
Leave a comment